يشكل الظل دليلاً إلى الآخر، وكل كائن هو آخر، بالنسبة إلى ظله، وحده الظل قادر على أن يلعب الدور الكبير والمصيري بالنسبة إليه. إن كلاً منا مشدود إلى ظله، لحظة الحديث عن معلومه ومجهوله، عن حالة ما تعنيه في النكرة والمعرفة.

للظل أكثر من صيغة تعريفية بحقيقته للوهلة الأولى، فهو صورة خارجية عن كائنه، تعنيه وتقود إليه، وهو بالقدر الذي يلازم صاحبه، يتهدده، إنه وشَّاء ممتاز، لحظة محاولة صاحبه التهرب من ظله، إنها وشاية انتقامية، وكأنه يظهر له مدى لا شيئيته بدونه، وكيف أنه يصبح علامة فارقة له، من خلال امتداده، وجهة الغموض والرهبة التي ينبع منها ويتوارى عن النظر.

فالحياة مدى ظلّي، ومن يفقد ظله، يتعرض للنبذ، يفقد صفة الآخرية فيه، فالظل بطاقته الوجودية الأولى، وما الموت إلا الإيذان الأول بانسلاخ الظل عنه، لتكون الحياة الأخرى، وبحسب مقام المرء حسناً أو قبحاً، ارتباطاً بظل يأتيه إلهيَّ المرجعية فقط، إنه الظل الأبدي.

كل مقام للظل مقدَّر بممارسة سلوكية وخُلُقية معينة. إننا نحكم على أي شيء من خلال ظله، فالظل الوارف والحارق والرطب والمتناهي في الضآلة والسريع التلاشي...الخ، أسماء تحيلنا إلى صفات ومواصفات، من خلالها نتحدد مدحاً أو قدحاً.

وليس معلوم الشخص إلا ما يتراءى في الفسحة التي يحددها ظله، ليكون مجهوله ما لا يُرى في الظل، ما هو في طور القوة وينتظر طور الفعل، وليس وجود النكرة إلا التعبير الأقصى عن ظل يظهر في الكائن حالة التطفل فيه، والمعرفة صحبة لظل من الداخل، واستيلاد له بقوى ذاتية.

وفق تصور كهذا، يمكن اعتبار الصدى ظل الصوت، أما الصوت فظل اللغة التي تميّز كائنها، ولكن اللغة المميّزة للإنسان توجِد ظلالها، مثلما أن الظلال تدخل في تفاوض أو حوار لا يهدأ سلماً أو حرباً، استقراراً أو توتراً، مع ذات اللغة في أشكالها التعبيرية والناطقين بها.

يمكن للسياسي أن يتبصر ظله العملي من خلال منجزه الحدثي فيما يحققه من مكاسب على مستوى العام، ومدى انعكاس ذلك على ظله الخاص، وللشاعر أن ينبري من خلال ظله الذي يسمّيه إلهاماً، خلاف ظله اليومي، وأن يتقصى الفيلسوف صوته الخاص، ليتشكل ظله العصيُّ على الاكتشاف على أي كان، تبعاً لطريقته في التعبير عن موضوعه.

إن المعنى ظل المبنى، ولكَم نسعى إلى بسط ظلالنا، والتقدم بها، عبر أحداث تأثيرات مختلفة في الآخرين، من خلال ما نريد القيام به قولاً وفعلاً. لكَم نحن مدَّخرون بالظلال، بحسب القوى التي نعتد بها، فكل تفكير أو تصور أو تأمل أو تخيل أو توهم أو مغامرة أو تزان، دخول في لعبة العلاقات المكانية والزمانية، جعل المجرد واللامسمَّى فينا ما يقبَل الشعور به.

وليس التمايز إلا التجسيد الفعال للظلال التي تهيب بالآخرين إلى منحنا التقديرَ الكافي، حيث رحابة الظلال تحجب صاحبها، لأن عطاءه الواقعي أو الرمزي، لا يمكّن أياً كان من رؤيته وكأنه ندُّه، إنما المرتفع عن اليومي، وفي هذا المرتقى يلتقي العظماء وعباقرة التاريخ والشعوب.

وفي العلاقة بين النور والظل، ثمة ما يجدر التذكير به، وهو أننا نبحث في النور أحياناً كثيرة، أكثر من الظل، ولعل في ذلك سعادة غامرة، تعني الظلّي فينا، إننا نريد التفاني والتلاشي في النور، ليكون ظلُّ كل منا مرتداً إلى داخله، إنما يستحيل البحث في أي مسألة تعني النور دون مصاحبة ظلية. إن الدخول في العتمة الكلية: الموت، ليس انقطاعاً عن النور فقط، إنما حصول قطيعة كلية بين الداخل وظله. إذاً، حدّثني عن ظلك لأقل لك من أنت!.

إبراهيم محمود