رغم ان الفن هو عملية اجتماعية حيوية معقدة بإمكانها تأدية العديد من الوظائف والأدوار التي تساهم في دفع الحضارة والحياة الإنسان، إلا انه يمكن ان يستغل في عمليات غرضها الربح المادي الوفير، ليس لمنتجه بالطبع، وانما لسارقه.
وقد يبدو الأمر غريبا ولكننا اذا عرفنا ان السنوات الأخيرة حملت في طياتها نوعا جديدا من السرقات والسطو انصب على الأعمال الفنية والمتاحف، لأدركنا ان لا غرابة في الأمر. وقد وصلت هذه الظاهرة الى ذروتها في بلد يمتلك الكثير من الكنوز والثروات الفنية كايطاليا التي سجلت فيها السرقات أرقاما قياسية أربكت المستويات الفنية والأمنية. خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة تمت سرقة ما مجموعه 196،772 قطعة فنية، وفي ضوء الحسابات الإحصائية التي صدرت خلال الأيام الأولى من السنة الجديدة. فقد تمت سرقة ما معدله عملين فنيين لكل يوم طيلة فترة 5475 يوما، وهى 859.52 لوحة فنية اغلبها ينتمي الى فترة عصر النهضة الايطالية (1300-1550) والذي يمثل أعظم فترات الرسم في تاريخ الفن الاوروبي.
اما المنحوتات فعددها 666.16 ما بين قطع أثرية قديمة رومانية واتروسكية وإغريقية، وقطع جداريات فنية يصل عددها الى 13،466 وعملات نقدية قديمة من مختلف المعادن عددها 38،385، ومواد وأدوات كنسية قديمة عددها 090.66 ويبدو ان عصابات المافيا لم تكتف بالاتجار بالمخدرات وما شابه ذلك فافتتحت فرعا جديدا لنشاطاتها هو النشاط الفني. وذلك بالسطو على المتاحف ودور العرض والمقتنيات الفنية الخاصة. والمفارقة الطريفة في هذا الأمر هى ان اللوحات التي تباع الآن بالملايين لم تكن تكفي لسد احتياجات مبدعها الأصلي، الأولية، من طعام ومسكن وأدوات عمل. اما الأماكن الرئيسية التى تمثل «كنوز» الأرض التي تتطلع اليها عيون العصابات المختصة والتي تمتلك الوسائل والأساليب التكنيكية الحديثة.
في ممارسة أعمالها «التي تكون عادة مغطاة بحماية من الأجهزة الحاكمة» فهى الكنائس والأديرة وأماكن العبادة الأخرى، والمتاحف الرسمية والخاصة. وكذلك الأماكن الأثرية المهجورة، والبيوت والمكتبات. ويتم تهريب هذه الكنوز عن طريق البحر والبر. حيث تتجه اغلبها الى سويسرا ويوغسلافيا، اللتين تمثلان المحطة الأولى للانطلاق الى اوروبا وأميركا. وهذه الأعمال الفنية، خصوصا اللوحات تطوي وتضغط على هيئة قطع صغيرة وتوضع في محافظ المناضد الشمسية او تحت أغطية المناضد ومقاعد السيارات المسافرة، او تنحسر في زوايا حقائب السفر لسيارات الحمولة الكبيرة او في أقفاص وصناديق مسطحة تضاف بطرق فنية محكمة تحت مقاعد السيارات او في سقوفها الداخلية، وبعض الأحيان توضع بشكل مبطن للمعاطف الرجالية والنسائية.. الخ.
وابرز قصص السرقة التي برزت في السنوات الاخيرة، هي سرقة عام 1983، حيث تمكنت عصابة ايطالية من سرقة سبع لوحات قدرت قيمتها بـ 35 مليون دولار، وهي تعود الى أربعة من فناني عصر النهضة هم روفائيل، تيبولو، تينيوريتو، جورجونا - وقد استطاعت الشرطة الايطالية بالتعاون مع الشرطة الهنغارية من استرجاع اللوحات السبع، وإلقاء القبض على أفراد العصابة.
ومن القصص الأخيرة الحافلة بالمغامرات والخبرة الدقيقة. اختفاء إحدى لوحات الفنان الخالد كارافاجو، من مدينة باليرمو، وتؤكد جميع المصادر بان هذه اللوحة لا تزال بحوزة عصابات المافيا، حيث تنتظر هذه العصابة الفرصة المناسبة لتهريبها الى الولايات المتحدة الأميركية.
اما قصص السطو على المكتبات الوطنية والخاصة لسرقة الكتب الثمينة والمخطوطات القديمة المزدانة بالرسوم، فأكثر من ان تحصى، فهى عمليات تنافس بدقتها وعددها عمليات تنافس بدقتها وعددها عمليات السطو على بنوك الدولة الايطالية والتي أصبحت امرا مألوفا في الحياة اليومية.
وتم مؤخرا الكشف عن عمليات للسطو المنظم، تقوم بها فرق مختصة في عمل التنقيبات السرية ببعض المناطق الأثرية التاريخية كالرومانية والاتروسكية والإغريقية، للحصول على المزيد من كنوز الأرض. والتي لا تزال مطمورة تحت الأعماق منذ الأزمان الغابرة.
وما يعثر عليه من الأزمان الغابرة، وما يعثر عليه من تلك التنقيبات التي ترتدي غالبا زيا رسميا زائفا، يحفظ في أقبية خاصة معدة لهذه الأغراض، ولفترة زمنية طويلة تكون مهيأة بعد ذلك لأعمال الترميم والصيانة التي تجري عليها بشكل سري لتسفيرها الى مواقع الطلب العالمية.
اما آخر فضيحة شهدتها الأيام الأخيرة من عام 1985 وتحملتها السلطات الايطالية بخجل كبير، فهى ظهور مجموعة تقدر بعشرين من الأواني الفخارية الايطالية لتي يعود تاريخها الى اكثر من (2500) سنة، في المزاد العلني المعروف بـ «سوتيايس» بمدينة لندن.
وهذه الأواني كانت موجودة في احد القبور القديمة في مناطق ايطاليا الجنوبية بالقرب من مدينة «فيوجا» وتسربت من هناك الى لندن. والطريف في الأمر ان إدارة المزاد وجهت دعوة للملحقية الثقافية الايطالية بلندن لحضور عملية المزاد العلني لتلك الأواني التي أصبحت ملكا لإدارة « شركة ثوسبيز».
ضبط القليل
تمكنت الأجهزة المختصة للشرطة الايطالية المتمثلة في مديرية يتفرغ عنها اختصاصيون مزودون بأحدث الوسائل التكنولوجية من ضبط القليل من هذه «الثروة الضائعة» وذلك بفضل تنسيقها مع الأجهزة الدولية .
روح المغامرة
سرقة المتاحف واللوحات الفنية هي الآن إحدى الصفات الملازمة للثقافة الأوروبية المعاصرة وهي كثيرة، وتكتسب رواجا كبيرا، وتحتل مواقع بارزة في تحقيقات الصحافة الأوروبية. حيث تعكس روح المغامرة واللصوصية التي أصبحت تمثل قصص الخيال الفنتازي.
موسى الخميسي



