«اصحى يا نايم وحد الدايم.. وقول نويت بكرة إن حييت الشهر صايم والفجر قايم ورمضان كريم» بهذه الكلمات التي تصاحبها دقات على الطبلة بعصا صغيرة يبدأ المسحراتي مهمته الليلية في الواحدة من بعدمنتصف الليل، يجوب شوارع القاهرة وأزقتها وأحياءها الشعبية ليوقظ أهلها لتناول السحور.. وقد أصبح منذ بدايته في صدر الإسلام وحتى الآن شخصية محببة للصغار قبل الكبار، وكان الصغار في الأحياء الشعبية يشاركونه النداء ومعهم فوانيس رمضان .
فالمسحراتي بطل شهر رمضان لمدة 30 يوماً، أدواته صوت جهور جميل ينشد الابتهالات الدينية والأغاني الشعبية، تشاركه البطولة المطلقة طبلة صغيرة الحجم تعرف باسم «بازة» يدق عليها دقات منتظمة، ثم تطورت الطبلة من صغيرة إلى كبيرة نسبياً يدق عليها بأنامله المدربة أو بعصا صغيرة يصنعها المسحراتي يدوياً قبيل الشهر الكريم. وكان المسحراتي يردد في جولاته الليلة اليومية الأدعية والابتهالات، ففي العشر الأوائل من رمضان ينادي: «جئت يا شهر الصيام بالخير والبركات». والأيام العشر الثانية، يقول: «يا نصف رمضان يا غفران الذنوب» أما في العشر الأواخر فيقول: «يا وحشة لك يا شهر الصيام».
وشخصية المسحراتي والتي لم تتراجع كثيراً في الأحياء الأرستقراطية بمصر، وبقيت كما هي بانتشارها القوي وحضورها الجميل في الأحياء الشعبية والأزقة والحارات المزدانة بالفوانيس وأشكال زخرفية بأوراق ملونة على جدران المنازل ـ شخصية المسحراتي ـ لم تتراجع أمام وسائل الإعلام التي تجعل من الناس سهارى حتى وقت الفجر. والطريف أن بعض الفنادق الخمس نجوم والسبع نجوم التي تنصب الخيم الرمضانية، خصصت شخصيات حقيقية من المسحراتية كفقرة جميلة وكأنها توصل رسالة لرواد الخيم بقرب موعد السحور، والسحور هنا يختلف... فهو سحور سبع نجوم، حيث طبق الفول الشعبي يتوج موائد الخمس نجوم والسبع نجوم، فهو قوي الحضور بمذاقه الرائع، فلم تتمكن أي نجمة من النجوم السبع أن تطيح به أمام الأطباق الرائعة الأخرى.
للمسحراتي صفحات في تاريخ المسلمين.. فكيف ظهر لأول مرة؟
بداية كان المسلمون يعرفون وقت السحور في عهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأذان «بلال بن رباح»، ويعرفون الإمساك عن الطعام بأذان «عبدالله بن أم مكتوم». وفي مكة كان «الزمزمي» ينادي للسحور، وكانت له طريقة مميزة وهو يجوب الشوارع والأزقة، بحيث يربط طرف حبل في يده يتدلى منه فانوس أو قنديل حتى يرى نورهما من لا يستطيع سماع ندائه من فوق المسجد .
وعندما ترامت أطراف الدولة الإسلامية تعددت طرق إيقاظ المسلمين للسحور، وذلك كان بداية اجتماعية وتقارب بين الناس، ومن هنا ظهر المسحراتي أول ما ظهر في عصر الدولة العباسية وبصفة خاصة في عصر الخليفة المنتصر بالله وكان المسحراتي بجلبابه الأبيض ناصع البياض وطاقية أيضاً، كان يجوب الشوارع والحارات يردد «اصحى يا نايم وحد الدايم»، ونداءات فولكلورية أخرى، كان يسير من منطقة مدينة العسكر حتى مسجد عمرو بن العاص في الفسطاط.
ولا يزال المسحراتي يصول ويجول شوارع القاهرة وفي عهد الدولة الفاطمية أصدر الحاكم بأمر الله الفاطمي أمراً لجنوده بأن يمروا على المنازل بهدف إيقاظ النائمين ليتسحروا، ثم ظهر المسحراتي الذي ابتكر الطبلة ينادي بصوت جميل، وخلال جولاته كان يتعرف على الصغار والأهل في المنازل.
فكان أحياناً يناديهم بأسمائهم، فيفرح الصغار لأن أسماءهم تتردد في الفضاء الساكن، ويشعروا بأنهم من أبطال الحواديت التراثية، وربما من هنا بدأ الصغار يصاحبون المسحراتي ويسيرون معه على امتداد الحارة الموجود بها منزلهم وكان المسحراتي يعيدهم بنفسه لبيتهم.. زمن يعكس الحب في الله والنقاء والفطرة السوية.
وكان المسحراتي أيضاً يتطرق لإلقاء المواعظ، وينشد الابتهالات ويكثر من الصلاة على رسول الله، فتخيم على المكان أجواء من النقاء وسماحة النفس ومشاعر نورانية، وكان أحياناً يدخل المسجد مع أهل الحارة والزقاق لأداء صلاة الفجر، ثم يودعهم على أمل اللقاء في ليلة أخرى.
وكان الناس يمنحونه الحلوى وبعض النقود التي بدأت بقرشين حتى وصلت حالياً لأكثر من عشرة جنيهات مصحوبة بطبق به كعك العيد بالسكر والغريبة والبسكويت من صنع ربة البيت التي التف حولها بناتها ليساعدنها في تحضير حلويات العيد، ويأخذ الصبية على عاتقهم رفع الصاجات السوداء المكتوب عليها بالطباشير اسم صاحب الدار، يذهبون بها إلى أقرب فرن لتخبز هناك، ثم يأتي صبي الفران ومعه منديل قطني ملون يأخذ فيه نصيبه من الحلويات التي خبزها.
لمحة إنسانية عالية نبعت من مشاعر مرهفة لدى المسحراتي الذي يعرف أهل الشارع والشوارع المجاورة، فلا يدق بطبلته ولا يقف عند منزل أصحاب الحزن الذين فقدوا عزيزاً لديهم. مازلنا مع حكاية المسحراتي ولياليه الجميلة، حيث لم يقو أحد على أن يعمل في هذه المهنة الرائعة، إلاّ إذا كان صوته جهورياً جميلاً، ويعرف بحق الدق على الطبلة بإيقاعات منتظمة، وينشد أغاني المديح في رسول الله صلى الله عليه وسلم، متبوعة بذكر التسابيح والابتهالات.
وقد جذبت فكرة المسحراتي عدداً كبيراً من الفنانين الجادين الذين اعتبروا الفن رسالة، فمنهم الشاعر بيرم التونسي والفنان الراحل سيد مكاوي وفؤاد حداد، وكانوا أول من قدم المسحراتي في الإذاعة، والآن مهنة المسحراتي الذي يجوب الشوارع مع طبلته لم تنقرض أمام بريق الإعلام الحديث، ولم تخل العواصم العربية العريقة قديماً وحديثاً من شخصية المسحراتي المقترنة بشهر رمضان.
فكان يجوب الشوارع والأزقة الدمشقية يدق على طبلة صغيرة بعصاته الرفيعة، وكان ينادي الناس بأسماء رب البيت، ملاقياً الترحاب، حيث يرسل له صاحب البيت كل ما لذ وطاب من طعام منزلي الصنع وأحياناً فواكه، يرسلها عبر (سلة) تتدلى من الشرفة عن طريق حبل سميك لتصل إلى الشارع فيلتقط المسحراتي كل ما فيها، ويعقب ذلك بمزيد من الدعاء والابتهالات. والصغار في الشام ينتظرونه دائماً، لأنه لا يظهر لهم سوى مرة في العام وكأنه يطل من حكايات شعبية تروى لهم ويستمتعون بها.
والطريف أن الصغار عندما يسألهم أحد: ماذا تريد أن تشتغل في المستقبل؟ يقول ببراءة وتلقائية: «أريد أن أكون مسحراتياً» وكانت هدية الصغير المفضلة طبلة وعصاة رفيعة يحافظ عليها من العام للعام مع فانوس رمضان.
في لبنان والمغرب العربي، تمتد إلى هناك خطوات المسحراتي منشداً وموقظاً للناس، يهدونه النقود الفضية والحلويات. ومهنة المسحراتي مثل أي مهنة أخرى يتوارثونها جيلاً بعد جيل، وكل جيل يضيف إليها بعضاً من التحديث مع الحفاظ على جوهر الموروث الشعبي واحتراماً للآباء والأجداد.
المسحراتي ظاهرة اجتماعية.. هكذا يصفه المؤرخون وعلماء الاجتماع الذين يرصدون المظاهر جميعها في مجتمع ما، ولكن كيف اتسعت هذه الظاهرة في مصر على وجه التحديد لترتقي إلى الرصد والدراسة؟
يوضح علماء الاجتماع والمؤرخون القدامى والمحدثون، بأن هذه الظاهرة ارتبطت بالشعب المصري لأنها بدأت فيه وذلك لأسباب كثيرة أهمها أن المجتمع المصري بكل طبقاته مجتمع ذو علاقات حميمة وروابط اجتماعية قوية راسخة، شعب لا يفرط في قديمه تحت أي ظرف. وكان لكل حي المسحراتي الخاص به لإيقاظ أهله في ليل رمضان المشبع بالروحانيات ونور الإيمان.
والطريف في الأمر حالياً أن الشباب المصريين، ينزلون إلى الشوارع خاصة في المناطق الشعبية ممسكين بطبلة وحولهم أطفال صغار بالفوانيس، يقومون بعمل المسحراتي كنوع من الطرافة وإدخال الفرحة على أهل الحي، ولكن ماذا لو صادفوا مسحراتياً محترفاً؟
هنا تكون المفارقة والتي يترتب عليها شخصية المسحراتي، فيمكن لهم أن يسيروا معه، أو بطريقته التي لا تخلو من المرح يبعدهم عن طريقه ومهنته التي شبّ عليها، واعتبرها إرثاً حقيقياً توارثه عن عائلته أباً عن جد.
وللمسحراتي مكانته في الأحياء الشعبية خاصة وأنه يعرف كل الأسر الموجودة في المكان، ولهذا السبب يكون هو أول المدعوين في أفراح الناس، ويسارع كذلك لمشاركتهم أحزانهم في فقدان عزيز لديهم، وربما يظل يتردد على المقاهي في الأحياء الشعبية ويشارك أهل الحي تفاصيل يومهم، ثم يختفي قبيل رمضان ليستعد لمهمته التي تحتاج منه شراء أو تفصيل الجلباب الشعبي المصري، والطواقي البيضاء.
ويصلح من شكل الطبلة، ويهذب لحيته، ويستعد ليبدأ مرة أخرى إيقاظ الناس بترديد ما اعتاد عليه واعتاد الناس على سماعه: «اصحى يا نايم.. وحد الدايم» ليبدأ دور البطولة على مسرح الحياة لمدة ثلاثين يوماً.
المسحراتي: بوطبيلة في الخليج
يذكر الفنان أيوب حسين في كتابه «من تراثنا الشعبي الكويتي» أنه قبيل موعد السحور كان المسحراتي يحمل طبلة ويخترق السكك والحارات وينشد: لا اله الا الله... محمد يا رسول الله، لإيقاظ النائمين وحثهم على تناول طعام السحور ويقدم بعضهم له صحون الهريس والمحلبية والتشريب.
في أواخر ليالي رمضان يودع الشهر مرددا الألحان الحزينة: الوداع الوداع... يا رمضان وعليك السلام... شهر الصيام. بين منتصف رمضان ونهايته كان يصطحب حماراً وعليه خرج ويحمل طبلة على كتفه ويمر على البيوت التي كان يمرّ عليها ليلا للسحور بيتاً بيتاً مردداً: عادت عليكم... والشر ما يجيكم. كان الأطفال يتبعونه ويصفقون ويرددون الأغاني الخاصة بالمناسبة ويساعدونه في حمل ما يحصل عليه من ربات البيوت كالقمح والدقيق والرز والتمر وأحيانا النقود وتسمى تلك بالفطرة.
منى مدكور


