في ختام ندوة الرواية التي عقدتها أمانة عاصمة دمشق الثقافية مطلع أغسطس، نادى مجموعة من الروائيين الشباب بضرورة قتل آباء الرواية حتى يتسنى للرواية الجديدة أن تذهب عميقا في انتشارها نقديا، وتسليط الضوء عليها إعلامياً، مما أثار حفيظة عدد من الحاضرين، حتى وصل الأمر بالروائي خيري الشلبي للانسحاب من القاعة محتجا «هذا تجديف».

قتل الآباء في الأدب لا ينسحب على الفن، المخضرمون لهم حماتهم، صباح فخري في حلب تعشقه أجيال تلو أجيال، ويتداولون أغنياته عبر كل ألوان الطيف العاطفي، ونادرا لا يصدح صوته ليلاً في مرابع السهر أو في المتاجر، ولا توفره سيارات الأجرة الصفراء، التي يحار المرء كيف يمكن لسائقها القيادة بيديه المشغولتين بالهاتف النقال والسيجارة وكأس مملوءة بالقهوة الساخنة.. لولا صباح فخري.

زياد رحباني ليس أبا بيولوجيا بالمعنى الفني، ولا أحد يريد قتله لأخذ مكانه، أيضا له حماته، حماة من أجيال جديدة تفتح وعيها على حياة قاسية يزيدها غموض المستقبل وحشة، أجيال أحبته وزحفت إلى حفلاته في دمشق عبر ملصقات ذكية (سهرنا يا أبو الأحباب) و(كيفك أنت) و(بالنسبة لبكرا شو) للسؤال عن تمديد الحفل يوما خامسا، ثم (صارت صحيحة الخبرية) عندما تم تأكيد الخبر، لقد ساعدهم زياد الرحباني على السخرية من الحياة، ومن ثم مصادقتها.

صعوداً نحو قاسيون كانت الحافلة الكبيرة تشق طريقها وسط تعرجات التلال، كان الجميع منشغلون بالتعارف، لم تكف صفحات الكتب للمصافحة مع الكاتب، كان لابد من المواجهة بمعنى التقابل وليس التحدي، ويومها لم يكن الحديث عن قتل الآباء في الأدب وارداً، كان الحوار هادئا خجولا وفيه قليل من المكاشفة، لذلك انشغل البعض بتوثيق التعارف، والبعض بالجاملات، وفريق ثالث ضربه الحنين فأنشد (من قاسيون أطل يا وطني، أرى دمشق تعانق السحبا) وهي أغنية وطنية شاعت في السبعينات.

الذين يرون في قتل الأب تجاوزا إبداعيا للآخر ليسوا بحاجة إلى التصريح بذلك، يمكنهم القيام بما عليهم بصمت، وسيقول التاريخ كلمته، هل قتل المتنبي مع ظهور شعراء مبدعين من بعده، وهل سيقتل نجيب محفوظ مع ظهور جيل جديد من الروائيين، وهل ستتوقف الناس عن حب أم كلثوم؟ ترى هل يستحق هؤلاء القتل أو التجاوز.

hussain@albayan.ae