في كتابه الجديد «غاريبالدي: بطل التوحيد الإيطالي» يعود المؤلف إلى الساحة الإيطالية التي عرفها كجندي بريطاني، كما يعود للكتابة عن أحد أبطال إيطاليا التاريخيين. إنه غيزيب غاريبالدي الذي خصّه المؤلف بكتاب سابق غاريبالدي وأعداؤه .

اشتهر غاريبالدي في العالم كله كقائد عسكري، عبقرية عسكرية كما يصفه مؤلف هذا الكتاب، وبشجاعته وقبل كل شيء بشخصيته ذات البعد الإنساني الذي جعله بطلا محبوبا . وقد نال لقب بطل العالمين ، ذلك أنه شارك في نضال البرازيليين من أجل الحصول على الاستقلال، كما كان هو نفسه على رأس المعركة من أجل توحيد إيطاليا.

وكان جيشه من الثوار المتمردين الذين لم يتلقوا أي تأهيل عسكري أكاديمي وكانوا يعانون من نقص كبير في الأعتدة والتجهيزات، وأيضا من مصادر التموين والتمويل. ولكنهم استطاعوا مع ذلك أن يحققوا الانتصار في باليرمو وفي نابولي بجنوب إيطاليا ويمدّوا وجودهم إلى مناطق إيطاليا الأخرى.

إن كريستوفر هيبيرت، مؤلف هذا الكتاب، يقدّم بطله وكأنه رمز لجميع أولئك الذين يقاومون من موقع الضعف المادّي ويستطيعون الانتصار بفضل موقع القوة المعنوية التي يتمتعون بها. كما يبيّن كيف استطاع هذا القائد التاريخي أن لا يحظى بمحبة مواطنيه الإيطاليين فقط، وإنما بإعجاب العالم كله، وهذا ما يدل عليه بوضوح واقع ما تكتبه عنه كتب التاريخ في كل مكان تقريبا. إنه غاريبالدي صانع إيطاليا الحديثة.

والبطل الذي وضع نفسه في خدمة معارك الشعوب من أجل استقلالها .الصورة التي يقدمها المؤلف لـ «غيزيب غاريبالدي» تبيّن أنه قد اختار بكل حرية النضال من أجل الوحدة الإيطالية، ومهما كان الثمن.وغاريبالدي هو من مواليد عام 1807 في مدينة نيس على الشاطئ الأوروبي للبحر الأبيض المتوسط والتي تأرجحت بين السيادتين الإيطالية والفرنسية لمدّة عدّة عقود من الزمن. وقد توفي في بلدة كابريرا عام 1882. كان قد انضم في عام 1833 إلى حركة إيطاليا الفتاة التي أسسها مازيني .

صدر في عام 1832 قرار قضائي بحكم الإعدام «غيابيا» ضد غيزيب غاريبالدي مما اضطره لاختيار طريق المنفى إلى أميركا الجنوبية، حيث بقي حتى عام 1848. عاد بعدها إلى إيطاليا كي يقود في عام 1860 حملته انطلاقا من جزيرة صقلية لإعادة توحيد إيطاليا. هذه هي المحطات الرئيسية التي يحددها المؤلف في مسيرة حياة غاريبالدي. ويعود المؤلف بقارئه منذ الصفحات الأولى إلى مدينة «نيس» التي أصبحت فرنسية نهائيا اعتبارا من عام 1860.

وكان الطفل غيزيب يمضي عندها أوقاتا طويلة وهو يتأمل البحر. كان يحلم أن يصبح بحّارا . هكذا ذات يوم، اقترح ذلك الفتى عندما كان في الثانية عشرة من العمر على مجموعة من رفاق الحي الهرب إلى جنوة.

وفي الحال تمّ الشروع بتنفيذ الفكرة. لقد استقلّوا قاربا واتجهوا نحو الشرق، لكن اوديسة اولئك الأطفال لم تذهب بعيدا إذ جرى اصطيادهم من قبل رجال بعث بهم والد غيزيب غاريبالدي. هكذا كانت العودة إلى البيت من جديد، لكن روح التمرّد لدى ذلك الطفل لم تخمد .

وعندما بلغ غيزيب الخامسة عشرة من عمره أصبح بحّارا بالفعل، وقادته أسفاره الأولى إلى البحر الأسود لجلب حمولة من القمح من اوكرانيا إلى نيس. وكان الإبحار مناسبة للقاء بنوعيات مختلفة من البشر كان من بينهم بحار من أعضاء منظمة إيطاليا الفتاة التي حملت لواء القضية الإيطالية آنذاك. ويُنقل عن غاريبالدي أنه كتب في مذكراته عن لقائه بذلك البحّار قوله: لقد علمني كيف تسير أمورنا في إيطاليا، ولا شك أن كريستوف كولومب لم يكن يحس بقدر أكبر من الارتياح عندما اكتشف أميركا مما كنت أحس به باكتشافي شخص يهتم بخلاص وطننا .

أخلص غاريبالدي لمبادئ حركة إيطاليا الفتاة عندما كان في البحر وعندما كان على اليابسة. وهكذا عهدوا له بقيادة انتفاضة في ثكنة جنوة بعد الاستيلاء عليها. ورغم ما عرفه آنذاك من سجن وتعذيب بل وإصابته بعدة جروح أثبت كفاءاته القيادية و برودة أعصابه . فترة الطفولة والمراهقة ثم المشاركة في التمرّد، كانت، كما تقول التحليلات المقدّمة، ذات أهمية كبيرة في صقل شخصية القائد الوطني« لاحقا. وزادت خبرته أكثر، وشهرته أيضاً في الجانب الآخر من العالم، في أميركا الجنوبية.وعندما عاد إلى إيطاليا عام 1848 كانت أوروبا كلها في حالة غليان كبير.

ففي فرنسا خلعوا الملك لويس فيليب وفي النمسا أطيح بحكومة مترنيخ. وفي مثل ذلك السياق عرفت إيطاليا موجة من الانتفاضات الشعبية، والتفّ الجميع حول الرمز الجديد الذي مثّله غاريبالدي . لكن غاريبالدي ورجاله العشرة آلاف لم يستطيعوا الصمود أمام تحالف نمساوي- فرنسي وأنصار سلالة البوربون في نابولي. اضطر غاريبالدي للهرب إلى ضفاف الادرياتيكي ثم أخذ درب المنفى من جديد إلى تونس وطنجة ونيويورك وليما والصين وانجلترا. ولم يعد سوى في عام 1855.

وفي عام 1860 قاد غاريبالدي حملة توحيد إيطاليا على رأس ألف مقاتل واستولى على إمبراطورية صقلية وبعدها على نابولي. لقد عاد إلى الواجهة من جديد عندما حاول الاستيلاء على روما مرّتين على رأس ذوي القمصان الحمراء الذين قادهم. لقد فشل في ذلك ،لكنه تابع النضال من أجل القضايا النبيلة وهو نصف مشلول. ثم انكفأ أخيرا إلى جزيرته كي يموت يوم 2 يونيو 1882. كانت إيطاليا هي آخر ما فكّر به ، يقول لنا مؤلف هذا الكتاب.

المؤلف في سطور

كريستوفر هيبيرت، مؤرخ وكاتب انجليزي، درس في جامعة ريدلي ثم في جامعة اوكسفورد. بلغ التسعين من عمره، كان قد شارك في الحرب العالمية الثانية في إطار وحدة إنجليزية، واصيب بجراح مرّتين. نال الوسام العسكري الانجليزي عام 1945، وهو عضو في الجمعية الملكية البريطانية للآداب.كتب ما يقارب الأربعين عملا من بينها جذور الشر: تاريخ اجتماعي للجريمة والعقاب و غاريبالدي وأعداؤه و التمرد الكبير في الهند و أيام الثورة الفرنسية و موسوعة اكسفورد و فلورنس: سيرة حياة مدينة ، الخ.

الكتاب: غاريبالدي: بطل التوحيد الإيطالي

تأليف: كريستوفر هيبيرت

الناشر: بالغريف مكميلان لندن 2008

الصفحات: 480 صفحة

القطع: المتوسط

Garibaldi: hero of italian unification

Christopher Hibbert

Palgrave MacMillan London 2008

P.480