«بدون انحناء » هو سيرة حياة ونضال وينغاري ماتاي، وتتحدث فيه عن جميع المحطات الأساسية التي عرفتها معركتها من أجل التنمية والسلام في العالم، أو بالأصح معاركها بصيغة الجمع وليس المفرد. باختصار هذا الكتاب موضوعه هو السيرة الذاتية لصاحبته.
ويجد القارئ نفسه، من خلال صفحات هذا الكتاب، بحضور امرأة عرفت كيف تدخل إلى قلوب الذين رافقوها في رحلتها النضالية منذ بداياتها. وهي تعود إلى طفولتها في بلدتها الصغيرة وسط كينيا حيث كانت النقطة البارزة فيها هي أنها أمضت دراستها في إحدى المدارس الكاثوليكية. كما تعود إلى فترة الدراسة التي أمضتها في الولايات المتحدة الأميركية بعد حصولها على منحة دراسة عُرفت باسم منحة كندي ، حيث حضّرت شهادة عليا في ميدان علوم الحياة البيولوجيا .
وفي عام 1963 حصلت كينيا على الاستقلال لتقرر يانغاري ماتاي، العودة في العام التالي 1964 إلى البلاد لتعمل كأستاذة مساعدة في جامعة نيروبي لمدة ثلاث سنوات. سافرت بعد ذلك لإتمام دراساتها في ميونيخ حيث حصلت على شهادة الدكتوراه عام 1971. عادت بعد ذلك للتدريس ولاستكمال مسيرتها النضالية من أجل حماية الطبيعة، وتحديدا حماية الغابات الإفريقية ومكافحة قطعها، ذلك النضال الذي تتوج عام 2004 بجائزة نوبل للسلام كمحطة عززت شهرتها العالمية وموقعها في نضالاتها.
تلك هي المحطات الرئيسية التي تتوقف عندها المؤلفة، ومعها قارئها، على مدى صفحات الكتاب التي تزيد على 300 صفحة. لكنها لا تركز اهتمامها على شخصها وإنما تؤكد بالأحرى، مع كثير من التواضع، على أن يكون كتابها رسالة أمل من أجل إفريقيا أكثر تنمية و أكثر اضطرارا . وهي تؤكد من خلال مسيرتها الشخصية في مختلف مراحلها و عوالمها المتنوعة أنه يمكن للشجاعة أن تحقق الكثير إذا ترافقت بالتصميم والمثابرة وعدم القبول بالاستسلام أمام العقبات.
فالعقبات دائما موجودة و كثيرة ، بل ولا تتردد في التأكيد أنه بمقدار زيادة العقبات التي كان عليها مواجهتها ازداد أيضا تصميمها . ومن خلال مثل هذا الموقف تريد أو توجه بوضوح أيضا رسالة يمكنها في الواقع أن تلخص أحد النقاط الجوهرية في مجمل هذا الكتاب والمتمثلة في القول أان الإنسان ليس بحاجة إلى أن يكون في موقع القوة كي يبدأ بعمل شيء ما من أجل البيئة و نظافة الأرض التي نعيش عليها جميعا.
ومن الأفكار ـ الرسائل الأخرى التي توجهها المؤلفة هناك تأكيدها باتجاه القارة الإفريقية أنه ينبغي القيام بممارسة السياسة بطريقة أخرى في إفريقيا وليس فقط فيما يخص المحافظة على الغابات ومكافحة قطعها من أجل تجارة الخشب الرابحة بل وأيضا، وخاصة، من أجل تبنّي الحكومات لسياسات اجتماعية أكثر عدالة وأكثر اهتماما بالإنسان الإفريقي.
المهم هو أن تترافق الأقوال بالأعمال، وهي تضرب بذلك مثلا من حياتها الشخصية. إنها تؤكد عندما حصلت على مبلغ مليون دولار، هو قيمة جائزة نوبل المادية، كان أول ما قامت به هو تدعيم موقع ونشاطات ما هو معروف ب«حركة الحزام الأخضر » التي كانت قد ساهمت بفعالية في تأسيسها عام 1977. هكذا أيضا وبعد أن ربحت المليون تقديرا لأعمالها حيال الإنسانية قامت بفتح مكاتب للحركة في لندن ونيويورك وجرى توظيف العديد من الأشخاص. هذا فضلا عن رصد مبالغ لعمليات زرع الأشجار في إفريقيا وغيرها.
وهي تؤكد من جهة أخرى على وجود علاقات عضوية بين السلام والتنمية المستدامة وإدارة الثروات الطبيعية وحقوق الإنسان. أحد البراهين التي تقدمها يعتمد على القول ان العديد من النزاعات التي يشهدها العالم اليوم تقدم على قاعدة الإدارة السيئة أو اللجوء إلى احتكار الموارد الطبيعية، هذا إذا لم يكن إلى انحطاطها .
وتشرح المؤلفة من خلال تجربة حياتها المعاشة كيف أن الحياة تفرض أحيانا بعض الحلول، وكل ما ينبغي هو أن يقوم البشر المعنيون بتنفيذها. هكذا تعود مثلا إلى مطلع سنوات السبعينات المنصرمة وإلى دراسة كانت قد أجريت آنذاك وأثبتت أن أغلبية الأطفال في منطقة وسط كينيا كانوا يعانون من سوء التغذية.
تقول إن صدمتها أمام ذلك الواقع كانت كبيرة. فمنطقة وسط كينيا، منطقتها، غنية الموارد وخصبة الأرض. لكن الذي جرى هو أن السكان تخلّوا عن «المزروعات الغذائية» من أجل زراعة نباتات الشاي والقهوة «المكرّسة» للتجارة عبر تصدير محاصيلها. ونقصان الإنتاج الغذائي دفع إلى استخدام الأغذية المحوّلة بمعنى المصنّعة الفقيرة ب«الفيتامينات». هذا بالإضافة إلى سرعة طهيها بالقياس إلى الأطعمة «الطبيعية».
الأمر الذي لم يكن بعيدا عن ظاهرة قطع أشجار الغابات. كان الحل، كما رأته وينغاري ماتاي هو زراعة الأشجار . منذ ذلك التاريخ وُلدت فكرة إعادة التشجير لدى المؤلفة التي عُرفت فيما بعد ب«زراعة الأشجار»، وكانت «القرويات» هن «الجحافل الأولى» في تنفيذ ذلك.
وتؤكد أيضا في هذا السياق أنه ينبغي على المعنيين بالمشاكل، أو من تسميمهم ب«الضحايا» أن يتحركوا دون انتظار أن تتغير السياسات. هذا ما أثبتته على الأقل تجربة حركة الحزام الأخضر عندما أخذ الفلاحون الذين كانت تنقصهم الأخشاب، المبادرة وأعادوا زراعة الأشجار لتغطي الغابات مساحات الأشجار المقطوعة من جديد. الحلول ينبغي أن تأتي أيضا من القاعدة وليس دائما من القمة.
ويبقى مشروع الحزام الأخضر الذي ترأسه، أكبر مشروع لإعادة التشجير في إفريقيا. لقد جرى زرع حوالي 30 مليون شجرة خلال 30 سنة. وليس زرع الأشجار فقط وإنما أيضا زرع الأفكار حول مكافحة العنف والدعوة إلى التنمية والسلام، مع جملة أخيرة تلخص رسالة المؤلفة: لا نملك حق التعب ولا التخلّي .
المؤلفة في سطور
وينغاري ماتاي، من مواليد عام 1940 في بلدة نايري في كينيا بإفريقيا، نالت شهرة على الصعيد العالمي كمناضلة من أجل حقوق المرأة والسلام العالمي وحماية البيئة. وفي عام 2004 كانت وينغاري ماتاي، أول امرأة إفريقية تحصل على جائزة نوبل للسلام من أجل «مساهمتها في الدعوة إلى التنمية المستدامة والديمقراطية والسلام». وهي باحثة في ميدان علوم الأحياء وتعمل في التدريس. عرفت السجن مرات عديدة وجرت تسميتها في عام 2008 سفيرة متجولة من أجل حماية الغابات في حوض الكونغو.
الكتاب: بدون انحناء
تأليف: وينغاري ماتاي
الناشر: فليش بي. كي.اس. لندن 2008
الصفحات: 336 صفحة
القطع: المتوسط
Unbowed
Wangari Maathaï
Flech.e Bks-London 2008
P.336
