لماذا لا تولي الفلسفة أي اهتمام حقيقي بموسيقى الجاز؟ بهذا المعنى صاغ الفيلسوف ادورنو سؤالا حول موسيقى الجاز. وهذا ما يحاول أن يجيب عليه مؤلف كتاب «الجاز والغرب» على ما يزيد من 300 صفحة. وهو يحاول أن يقدم تفسيراته لمثل هذا التفاهم المفقود بل و الود المفقود . وينقل المؤلف عن الفيلسوف ادورنو نفسه ذهابه أبعد في ازدرائه للجاز، إلى حد وصفه لهذه الموسيقى على أنها سلعة تليق تحديدا بالجهلة.
إن التفسير الذي يقدمه المؤلف لهذه العلاقة بين الجاز والغرب قد يمكن صياغته بالفرضية التالية التي يطرحها ثم يحاول البرهان عليها، والقائلة أن الجاز نوع من الموسيقى التي تتطلب اشتراك الجسد كله ، وليس اليد والأصابع. مثل هذا الانخراط الكلي للجسد يجسد، برأيه، قطيعة مع العقلانية الغربية الباردة . ذلك بمعنى أنها موسيقى تخاطب عامة الحواس و الغرائز مباشرة وشفاهيا دون أن تولي أي اهتمام كبير لـ العقل. بكل الحالات ينطلق المؤلف في تحليلاته من مقولة أن الجميع يتفقون على أن الموسيقى تلطّف الروح و تهذب السلوكيات . لكن مثل هذه الحقيقة لا تنطبق حسب الذهنية الغربية وكما أعلن صراحة عددٌ من المفكرين والفلاسفة، على موسيقى الجاز، بل وصل البعض إلى القول أن هذه الموسيقى عندما اجتاحت الشارع الأوروبي في بدايات القرن العشرين وأصبحت ظاهرة عامة ومعممة جرفت معها القيم المرهفة المرافقة للموسيقى الكلاسيكية، والمنبعثة منها، كي تعزز بالمقابل قيما أخرى تقوم على الشفاهية و التقليد و أولوية الجسد على التأليف الموسيقي والتأكيد على وحدة الحس والصوت.
مثل هذه الصفات كلها كانت مهمّشة ، هذا إذا لم تكن منبذة تماما من قبل الفلسفة الغربية منذ بداياتها الأولى. فجمهورية أفلاطون كانت قبل كل شيء هي جمهورية أفكار وقيم مثالية. وما يؤكده المؤلف هو أنه بعد 2500 سنة من بدايات الفلسفة الغربية بـ «نسختها» اليونانية القديمة التي تعلن الحضارة الغربية أنها أحد مرجعياتها الأساسية، بلغ الجاز ، كمشرب فني مستقل، سن الرشد بعد فترة نضج طويلة الأمد داخل المجموعة الإفريقية ـ الآسيوية، درجة عالية من الاجتمال الجمالي والأخلاقي. وقد ساعد على ذلك واقع التقدم الذي حققته الإنسانية على صعيد تكنولوجيات الإعلام والاتصال، وشيئا فشيئا أخذت موسيقى الجاز بعدا كونيا معترفا به .
هذا الكتاب يعالج إذن موضوع الجاز من منظور فلسفي. ويعتبر المؤلف أن الجاز كان تعبيرا موسيقيا فريدا خلال القرن العشرين. إنه يؤكد على أن الخلاف بين ادورنو و الجاز ، أو بالأحرى علاقتهما التنازعية لا يمكن فهمها إلا على الأرضية الفلسفية وليس على أرضية اجتماعية-اقتصادية حصريا. ولكن المؤلف يشير بالمقابل إلى أن ادورنو ، ورغم حملاته الشعواء ضد الجاز، خاصة في المقالة التي حملت عنوان «وداعا للجاز» المنشورة عام 1933.
إنما ربما كان الفيلسوف الوحيد الذي فهم أن قبول الجاز كتعبير فني كامل الحقوق يستدعي بالضرورة تشكيكا جذريا ببعض مقولات علم الجمال الذي كان سائدا. بهذا المعنى لم يكن الفيلسوف «ادورنو» يحاول القيام بـ «هجوم» ضد الجاز وإنما كان يريد اتخاذ إجراءات «وقائية» منه. ويرى المؤلف في تركيز فيلسوف كبير مثل ادورنو على ظاهرة الجاز إنما كان يعني ضمنا الاعتراف به كـ «تهديد» يمكنه أن يشوش الفلسفة وبعض مقولاتها الجمالية.
ويشرح المؤلف أن موسيقى الجاز ليست ظاهرة آنية مرتبطة بلحظتها فقط ولا تمتلك البعد «الكوني » اليونيفرسال- للموسيقى الراقية ، كما يزعم ادورنو. وهو يرد على ذلك بذكر واقعة مفادها أنه عندما كان يتم تسجيل مقطوعة جاز تحمل عنوان «الليل في تونس» ، وقف المسؤول عن جهاز ضبط الصوت فجأة بـ «سسذاجة » وطلب إعادة التسجيل بسبب خلل تقني طارئ.
لكن كان شارلي بيكر قد أطلق أثناء ذلك وصلة من بوقه وأجاب معتذرا: إنني لا أستطيع أن أعيد ذلك مرة أخرى . وهذا ما يخرج منه المؤلف بنتيجة يمكن أن تلخصها الجملة التالية: إذا كان قد تقرر في نهاية المطاف نشر تلك الوصلة خارج سياقها فإن الأمر لا يعود، كما زعم ادورنو، إلى كون أن أي تفصيل في الجاز لا علاقة له بوحدة الكل، وإنما لكون أي تفصيل مهما كان بسيطا في الجاز يمثّل تلك الوحدة الكلية .
وهذا ما كان قد عبّر عنه عازف الجاز الشهير فيلز ديفس غالبا بالقول، وكما ينقل المؤلف، أن ما له الأولوية في موسيقاه وخاصة الجاز، وما يشكل صميمها وجوهرها هو الصوت . مثل هذا التصريح، يراه المؤلف صعب الفهم من قبل العقلانية الغربية. لكن ما عناه ديفس بكلمة صوت لم يكن مجرد ما هو مسموع وإنما كان يعبر عن موقف وعن رؤية للعالم تعتمد على تعريف بعيد جدا عن المفهوم الغربي للموسيقى.
وعلى قاعدة البون الشاسع والأحكام المسبقة قام نوع من سوء الفهم المستدام، كما يشرح كريستيان بيتون مؤلف هذا الكتاب، وهو سوء فهم لا يزال قائما إلى حد كبير بين الغرب وموسيقى الجاز ، إذ لا تزال قائمة أيضا مقولات كانت قد سادت في فرنسا مثلا خلال سنوات العشرينات المنصرمة، وصفت الجاز أنه موسيقى صاخبة و فن بدائي و عالم آلي فقد روحه الإنسانية في مواجهة هذا كله يوجه المؤلف في المحصلة النهائية رسالة في جملة قصيرة تقول : ينبغي التخلّص من كل الكليشيهات .
المؤلف في سطور
يحمل كريستيان بيتون، مؤلف هذا الكتاب، شهادة الدكتوراه في الفلسفة، ويعمل مديرا للأبحاث. لكن الموسيقى وخاصة الجاز تبقى مجال اهتمامه الرئيسي. له العديد من المساهمات في المجلاّت المختصة، وهو مؤلف عدة كتب من بينها: «من أجل جمالية موسيقى الراب» و«ادورنو والجاز» و«موسيقى الراب».
الكتاب: الجاز والغرب، الثقافة الإفريقية الأميركية والفلسفة
تأليف: كريستيان بيتون
الناشر: المطبوعات الجامعية الفرنسية باريس 2008
الصفحات: 340 صفحة
القطع: المتوسط
Le jazz et'l 'Occident, culture afro-américaine et
philosophie
Christian Béthune
Klincksieck - Paris 2008
P.340

