كتاب قد يكون ذا فائدة كبيرة بالنسبة لأولئك الذين يهتمون بالسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط. وإذا كان يساعد على فهم قرارات الماضي فإنه يلقي الضوء أيضا على تحديات المستقبل.
«اختيار الأعداء» هو كتاب عن علاقة الولايات المتحدة الأميركية بمنطقة الشرق الأوسط على ضوء الخيارات الاستراتيجية التي تبنتها خلال العقود الثلاثة الأخيرة. يرى المؤلف أن ثلاثة أحداث رئيسية جرت خلال عامي 1978 و1979 كانت وراء قرارات التدخل الأميركي في هذه المنطقة من العالم. و التدخل بأشكال مختلفة دون أن يؤدي ذلك خلال ثلاثة عقود كاملة تلت، إلى إيجاد مخارج حقيقية للأزمات المستجدة ولا إلى تثبيت مواقع الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.
الأحداث الثلاثة المقصودة هي قمة كامب دافيد التي أنتجت اتفاقيات السلام بين مصر وإسرائيل، وقيام الثورة الإسلامية الإيرانية التي أرغمت الشاه السابق على الرحيل وجرى في سياقها احتجاز الرهائن الأميركيين، .ووصول حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان مما ترتب عليه بعد ذلك دخول القوات السوفييتية إلى تلك البلاد.
ثلاثة أحداث، يقوم مؤلف الكتاب بتحليل الاستراتيجيات التي انتهجتها الإدارة الأميركية آنذاك حيالها ثم يحاول أن يبيّن كيف أن تلك الإستراتيجيات شكّلت البذور الأساسية لما آلت إليه الأوضاع في السياق الراهن الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط اليوم. وفي منطقة الشرق الأوسط هذه كانت الولايات المتحدة قد قررت اللجوء إلى استخدام القوة.
كما تحدد مواقفها الاستراتيجية حيال مجموعة من القضايا وليس أقلها محاولة تحديد الدور المطلوب من الحلفاء حيال الأزمات الدولية المطروحة، وأيضا تحديد الموقف من القانون الدولي، بل ويرى المؤلف أن سياسية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال العقود الثلاثة المنصرمة تشتمل على الكثير من الدلالات ك«مرآة» للرؤية الأميركية حول دور الولايات المتحدة في العالم، أي فيما هو أبعد من منطقة الشرق الأوسط فنفسها. ويتم التأكيد أنه من خلال استقراء المواقف الأميركية في هذه المنطقة يمكن فهم توجهات السياسة الخارجية الأميركية كلها.
ويؤكد المؤلف في تحليلاته أن الإدارة الأميركية الحالية، إدارة جورج دبليو بوش، سوف تغادر السلطة، كما تدل مختلف المؤشرات من دون أن تحقق أي حل ،بل وليس هناك أي أمل بالحل حيال ثلاث ملفات أيضا، فإيران تتابع برنامجها النووي مستفيدة قبل أي شيء من حالة العنف المستمر في العراق منذ الإطاحة بنظام صدام حسين. وحركة طالبان تعود بقوة إلى مسرح الفعل في أفغانستان. والأمل ضعيف في إيجاد أي حل بالنسبة للصراع العربي-الإسرائيلي.
باختصار سوف يغادر جورج دبليو بوش البيت الأبيض دون حل أية مشكلة من هذه المشكلات الكبرى التي شغلت السياسة الخارجية الأميركية خلال فترتيه الرئاسيتين. بالمقابل تركز التحليلات التي يقدمها المؤلف من منظور الاستراتيجيات العسكرية أن الولايات المتحدة الأميركية قد وصلت إلى ما هي عليه في منطقة الشرق الأوسط بفعل خيارات لا تعود حصريا إلى الدور الذي لعبه المحافظون الجدد وأولئك الذين يتم وصفهم في خانة المدافعين عن إسرائيل و الصقور فحسب، وإنما أيضا إلى أسباب أبعد وأعمق و أكثر تعقيدا بكثير كانت وراء غياب سياسة خارجية فاعلة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وتتم في هذا السياق ملاحظة أن الدولة التي اختارتها الولايات المتحدة كعدوّة أولى، أي إيران، كانت حتى نهاية عقد السبعينات المنصرمة، أي حتى الإطاحة بالشاه، تمثل أحد الأعمدة الأساسية في السياسة الأمنية الأميركية بالمنطقة. ويرفض المؤلف في هذا السياق أيضا تحميل جميع مشاكل الشرق الأوسط للصراع العربي-الإسرائيلي.
وتتمثل إحدى المسائل التي يؤكد عليها مؤلف هذا الكتاب في رفضه الشديد لما قد يراه الكثير ك«أمور واضحة» وبالتالي رفضه لما يسميه ب«التبسيط المخلّ» القائم على مجموعة من الأحكام المسبقة وليس على استقراء التاريخ والواقع. بل يرى أن اللجوء إلى مثل هذا التبسيط كان مسؤولا، إلى هذه الدرجة أو تلك، عن صياغة الاستراتيجية التي اختارت فيها الولايات المتحدة أصدقاءها ، ولكن أيضا أعداءها في منطقة الشرق الأوسط.
ما يؤكد عليه بالمقابل هو تعقيد الملفات الشرق أوسطية. هذا ما يشهد عليه واقع العقود الثلاثة الأخيرة، ذلك أن اللوحة العيانية بهذا الواقع تدل اليوم على استمرار الحرب في العراق و استمرار المأزق مع إيران و غياب أي حل دبلوماسي للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي و استمرار الخطر الذي تمثله منظمة القاعدة . بل ويؤكد حيال هذه النقطة الأخيرة أن الإدارات الأميركية لم تفهم حقيقة الحركات المتطرفة. والملفت للانتباه أن لورنس فريدمان يستخدم تعبير الشرق الأوسط بمدلوله الأوسع أي الذي يضم منطقة جنوب غرب آسيا. هذه المنطقة كلها شهدت، برأيه، نوعا من تتابع الموجات الراديكالية .
كانت الموجة الأولى ممثلة بأنصار القومية العربية الدنيويين خلال سنوات الخمسينات والستينات، ثم جاءت الموجة الثانية ممثلة بالحركات المتطرفة ذات الإيديولجية الإسلامية حيث كانت الثورة الإسلامية في إيران أحد مؤشرات تسارعها هاتان الموجتان، كما يتم تقديمهما، كانتا معاديتين للاستعمار و معاديتين لإسرائيل تجدر الإشارة إلى أن تحليلات هذا الكتاب تتركز بشكل خاص على العوامل السياسية التي وضعت أصحاب القرار الأميركيين أمام معضلات صعبة . وبالتالي كانت قدرة أميركا في إحداث تغييرات في منطقة الشرق الأوسط محدودة جدا، هذا ما أظهره إفلاس مشروع الشرق الأوسط الكبير.
المؤلف في سطور
لورنس فريدمان هو أستاذ الدراسات الحربية في بالمعهد الملكي البريطاني في لندن تولى في عام 2001 رئاسة مدرسة العلوم الاجتماعية والسياسية العامة في هذا المعهد ثم عمل نائبا لرئيس وحدة الأبحاث في عام 2003 وكان قبل انضمامه إلى المعهد الملكي قد ساهم ببحوث في الدراسات الإستراتيجية التابعة لجامعة اكسفورد وفي المعهد الملكي للشؤون الدولية. قدم العديد من الكتب من بينها «حروب كيندي»، وله العديد من الدراسات حول«حرب الفولكلاند» بين انكلترا والأرجنتين. ومن كتبه أيضا «حرب الخليج 1990 ـ 1991» و«تاريخ عسكري للحرب الباردة».
الكتاب: اختيار الاعداء اميركا في مواجهة الشرق الأوسط
تأليف: لورنس فريدمان
الناشر: بوبليك افيرز لندن 2008
الصفحات: 601 صفحة
القطع: المتوسط
A choice of enemies : America confronts the Middle East
Lawrence Freedman
Bublic Affair- London 2008
P.601

