هذا الكتاب «الدول والمجتمعات الهشة » هو الأول من نوعه، إذ لم تعرّف المكتبات الفرنسية، قبله عملاً يعالج المسألة المبهمة إلى حد كبير في فرنسا المتعلقة بـ «الدول الهشة» ، هذا ما يؤكده على الأقل المساهمون في هذا الكتاب.

وتتم الملاحظة بداية أن مفهوم الدول الهشة التي يتم التعبير عنها أحياناً بـ «الدول المارقة» قد فرض نفسه بقوة على صعيد العلاقات الدولية، ولكن هذا لا يمنع خلطه غالباً مع مفاهيم سبقته ولها نفس المدلول. كذلك يتم التأكيد على أن مفهوم الدولة الهشة ، ورغم غموضه و محدوديته سمح بالتقصّي عن مشارب جديدة حول الدور المركزي الذي تلعبه الدول على صعيد تنظيم واستقرار المنظومة السياسية والاقتصادية الدولية، وذلك بعد نهاية الحرب الباردة التي ترافقت بـ فوضى عالمية جديدة .

تتوزع مواد هذا الكتاب بين قسمين رئيسيين يحمل القسم الأول عنوان: «الدول الهشة»: من التصنيف إلى الفعل ، ويضم ثلاثة فصول يعالج كل كاتب من كتّابها الأربعة جانباً محدوداً من الموضوع المطروح. وتحمل هذه الفصول بالتتالي عناوين: المرحلة الجنينية في القبول الدولي لفكرة الدول الهشة ثم القوانين الأساسية ومعايير هشاشة الدول فـ «معرفة هوية الدول الهشة قبل الإفصاح عن نفسها، دور خبراء استشفاف المستقبل».

أما القسم الثاني فعنوانه: في البحث عن أسباب الهشاشة . وتعالج فصوله أشكال عدم المساواة أحد أسباب الهشاشة ؟ و الثقافة وهشاشة الدول، بعض التأملات حول إفريقيا الوسطى ، وأخيراً كيف تتم فبركة دولة هشة: تأملات حول المثال العراقي .

إن التحليلات المقدّمة في هذا الكتاب، عبر مختلف المساهمات، تؤكد أنه وراء هشاشة أجهزة الدول هناك أيضاً هشاشة المجتمعات . ذلك أن هذه المجتمعات أظهرت عدم قدرتها على مواجهة تحديات العولمة فضلاً عن أنها تعاني من تفشي مجموعة من الأوبئة ذات الانتشار العالمي مثل تجارة الأسلحة والمخدرات والمواد الأولية ومختلف أشكال الجريمة المنظّمة الأخرى.

أمام هذه الظاهرة الجديدة ـ القديمة المتمثلة في وجود دول هشة أخذت المجموعة الدولية على عاتقها مهمات جديدة باسم التضامن الدولي الذي أخذ هو الآخر معاني جديدة تتجاوز مجرّد القيام بالمهمات الكلاسيكية المتمثلة في المساعدة على التنمية الاقتصادية أو مكافحة الفقر في هذه المنطقة أو تلك من العالم.

ومن خصائص هذا الكتاب أنه متعدد المشارب ومتعدد الاهتمامات بحيث تتم تغطية المسألة المطروحة من مختلف الجوانب. ويرى المشرف على إنجاز هذا العمل أن اختلاف الآفاق التي قدم منها المساهمون فيه يدلّ على تعقيد الموضوع، لاسيما بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن.

هذا إلى جانب التطور الكبير على المستوى النظري، ومستوى المفاهيم، فيما يخص العلاقة بين الأمن و التنمية بحيث يتم غالباً التأكيد في مساهمات هذا الكتاب على تلازمهما على أساس أن كل تنمية حقيقية ومستدامة تتطلب وجود استقرار سياسي واجتماعي ، والدول والمجتمعات الهشة لا تؤمن مثل هذين الشرطين.

ومن الأفكار الأساسية التي يتم التأكيد عليها في هذا الكتاب هو أنه ليس ممكناً فرض نماذج «موديلات» للدول من الخارج. هذا ما أثبته الفشل الذي واجهته الإدارة الأميركية في العراق، والصعوبات الكبيرة التي تواجهها في أفغانستان أو كما أظهرت بوضوح تجربة جمهورية الكونغو الديمقراطية.

بالمقابل يتم التأكيد على التأكيد على أن الحلول في مواجهة الدول الهشة هي دائماً حلول ذات طابع محلي أولاً وأساساً. والمطلوب من المجموعة الدولية مساعدتهم من أجل بناء نموذجهم للحكم على قاعدة تجربتهم المعاشة والتاريخية. إذن تنوّع الحلول وليس نمطيتها هو ما يسود في أطروحات هذا الكتاب وذلك على عكس ما تدعمه بعض مراكز الأبحاث و علب الأفكار وما يتردد في أطروحات المفكرين العديدين في العالم الانكلوسكسوني.

ومسألة أخرى يتم التأكيد عليها وهي أنه في الوقت الذي ساد فيه التفكير أن الرهانات الاستراتيجية للمساعدات العامة المكرّسة للتنمية قد زالت ـ أي الرهانات ـ منذ نهاية الحرب الباردة، فها هي تعود بقوة إلى المسرح الدولي منذ بداية هذا القرن ـ الحادي والعشرين . وهذا ما يظهر بقوة في إدراك أهمية المسائل الأمنية مما دفع العديد من الدول المانحة للمساعدات إلى إعادة توجيه استراتيجياتها في التدخل تحت عناوين المساعدة على التنمية أو مكافحة الفقر في العالم. ثم إن إعادة توجيه الاستراتيجيات هذه وجدت ما يدعمها و يصبغ عليها الشرعية في الكثير من الأطروحات الإيديولوجية.

وفي مثل هذا السياق تبقى «الدول الهشّة»، رغم أنها لم تعرف حتى الآن أي تعريف محدد وثابت لها من قبل المجموعة الدولية، هي موضع اهتمام الدول المانحة. وبكل الحالات تدل التصنيفات الموجودة في هذا الكتاب وعلى التنوع الكبير في الدول المصنّفة كـ «دول هشة» التي تضم الافغانستان وهاييتي وغينيا بيساو والعراق وجمهورية الكونغو الديمقراطية. هذا الكتاب له ميزة طرح المسألة بكل أبعادها، وفي إطار البحث عن «المصلحة المشتركة» للجميع.

المؤلف في سطور

جان مارك شاتينييه، المشرف على إعداد هذا الكتاب، هو دبلوماسي كان يعمل في وزارة الخارجية الفرنسية للتنمية قبل أن يصبح مديراً للعلاقات الدولية في الوكالة الفرنسية للتنمية. سبق له أن ساهم في العديد من الدراسات بالدوريات المختصة، وله كتاب بعنوان: منظمة الأمم المتحدة في سيراليون: منعطفات مفاوضات .

الكتاب: الدول والمجتمعات الهشة

تأليف: جان مارك شاتينييه وآخرون

الناشر: كارتالا باريس 2007

الصفحات: 565 صفحة

القطع: المتوسط

Etats et sociétés fragiles

Jean-Marc Chataigner

Karthala- Paris 2007

P.565