طرحت أسئلة عديدة نفسها مع صدور الرواية الحادية عشرة للروائي الأميركي دون ونسلو بعنوان«دورية الفجر»، وفي معرض البحث عن إجابات عن هذه الأسئلة بادر موقع «بارنز آند نوبل» الالكتروني المتخصص في عروض الكتب إلى إجراء هذه المقابلة معه، حيث ألقى الضوء على ما يعنيه المحيط بالنسبة له والأهمية الاستثنائية التي يحظى بها في رواياته، وشدد على التماهي بين شخصياته والمكان الذي تعيش فيه على ضوء الحضور البارز والدائم للمكان.
وأوضح أنه يعكف في الوقت الراهن على انجاز روايتين، أولاهما صياغة جديدة لملحمة «الانياذة» في إطار عالم الجريمة، والثانية هي بمثابة جزء ثان لرواية «دورية الفجر» تحت عنوان «ساعة السادة» وفيما يلي نص الحوار: برز التزلج على الماء في رواياتك السابقة، ولكنه لم يحتل مرتبة متقدمة ولم يصل إلى الصدارة على نحو ما حدث في رواية «دورية الفجر». هل كنت تفكر في كتابة رواية كبرى عنه منذ وقت طويل؟ وما الذي جعلك ترغب في القيام بذلك الآن؟
نعم، فكرت في ذلك منذ وقت طويل. والجميع يعرف القول المأثور: «أكتب عما تعرف»، وأنا أعدل هذا القول ليكون «أكتب عما تعرف وعما تحب أيضاً » لأنك ستمضي وقتاً طويلاً عاكفاً على ذلك. وقد أمضيت سنوات في تأليف كتاب جهم للغاية عن تجارة المخدرات، ثم كتاب عن الجريمة المنظمة، وهكذا فإن التوجه إلى الشاطئ بدا لي بمثابة استراحة جميلة.
ولكنني أردت على الدوام حقاً أن أمسك في إطار الكلمات بما كان دائماً بمثابة افتنان قوي في حياتي. فقد نشأت على امتداد الشاطئ وعكفت على التزلج على الماء منذ وقت تعيه ذاكرتي بالكاد. واصطحبني أبي وعلمني أسرار الأمواج، وكان المحيط بالنسبة لي على الدوام ملاذاً وتطهيراً، إن لم يكن في هذا القول مبالغة وادعاء.
وبعد جنازة أبي انطلقت في مسيرة على الشاطئ، ولا يزال هدير الأمواج يجعل قلبي يخفق، ولست أشعر بأنني في خير حال وفي سلام مع نفسي بقدر ما أحس بذلك عندما أخرج من المحيط بعد جولة سباحة جيدة ولا تفتقر إلى الخشونة، فالطعام يبدو مذاقه أفضل، والرقاد أعمق.. وآمل أنني قد وفقت في الإمساك بجانب من ذلك في إطار الكلمة المكتوبة.
تتابع رواية «دورية الفجر»، شأن رواية «شتاء فرانكي ما شين» شخصيات تحيا عند مفترق طرق ثقافة التزلج على الماء والعالم السفلي الغارق في الظلال. ما الذي يكمن في هذه الثقافات الفرعية التي تبدو غير متوازنة ويجلبها إليك معاً على هذا النحو؟
التباين. فأنت، على سبيل المثال، تقف على جرف عال، وتنظر إلى المشهد الكاليفورني الجنوبي المدهش والمشمس والأزرق، فيبدو جميلاً. ولكنك تعرف في آن أن هناك الكثير من الأمور السيئة التي تجري هناك.وفي البداية يبدو أن هناك تنافراً، ولكن لدى التدقيق بمزيد من العمق يبدو التناغم المتعلق به.
وقد شيدت بعض البيوت الجميلة بأموال المخدرات، وبعض هذه المخدرات جُلب عبر ذلك المحيط الذي تنظر إليه على يد بعض المتزلجين على الماء الذين ينطلقون في المحيط. وهكذا فإن المشهد غير متصل، وهو يشبه المحيط نفسه، ففي لحظة يبدو رائعاً وبديعاً، ثم فجأة إذا به يحاول قتلك. ولكنه يظل المحيط نفسه. أليس كذلك؟
تقع معظم أحداث رواياتك في جنوبي كاليفورنيا. وفي رواية «دورية الفجر» يتسم المحيط والتزلج على الماء بأهمية بالغة في حياة شخصياتك بحيث أنهما يبدوان كما لو كانا شخصيتين. ما الذي يميز هذا المكان المحدد بحيث أنك تجده يفرض نفسه عليك كساحة لرواياتك؟
أعتقد أن الشخصيات غير قابلة للتميز عن المكان على وجه التقريب فنحن نعادل المكان الذي نعيش فيه. هكذا فإنه بالنسبة لي هناك فارق محدود بين الناس وبين المكان الذي يقيمون فيه، فهم جميعاً شيء واحد. وأنا مغرم بهذا المكان. ويمكنني جديا الانطلاق بالسيارة بين لاجونا ودان بوينت، على سبيل المثال، وأنا أحس بالتوق إلى المكان على نحو مؤلم حرفياً.
فهذا المكان جميل ومثير للاهتمام ومجنون للغاية بحيث أنني لا أحس بالسأم أبداً. وأنت تنطلق بالسيارة من نيو بورت بيتش جنوباً إلى الحدود، وكل ما تجده هو مكان بديع بعد آخر، وهي كلها أمكنة مختلفة بصورة مراوغة. إنها شواطئ عظيمة، أمواج عظيمة، بلدات عظيمة، وأماكن صغيرة عظيمة. ومازالت أحس بنشوة من جراء الذهاب إلى متجر «كيلر دان سيرف» و«باباز تاكوس» و«جيفز برجرز».
يعد بون دانييلز وباقي الطاقم الذي يشكل «دورية الفجر» فريقاً رابحاً. هل يمكننا توقع أن نراهم مجدداً في المستقبل؟
يسعدني أن أعتقد ذلك، نعم، لسوف يظهرون من جديد في المستقبل، حسبما أظن.
هناك الكثير من الرطانة الملونة المتعلقة بالتزلج على الماء يتم استخدامها في «دورية الفجر» فهل استعرت هذه الاصطلاحات من معجم قائم بالفعل لألفاظ التزلج على الماء أم أنها من ابتكارك.لا، هذه الاصطلاحات جميعها مستمدة من المتداول حالياً في عالم التزلج على الماء. وهي بالطبع تتغير على الدوام. وهو الأمر الذي أحبه. كما أنني أحب أيضاً الدفق النابع من كاليفورنيا وهاواي وساموا والمكسيك من الكلمات التي تشكل قاموس اصطلاحات التزلج على الماء.
هناك بعض القضايا الخطيرة التي تكمن تحت التألق والرحابة والأمواج الممتدة بلا انتهاء، فالبطل بون يتولى قضية لا تشمل القتل العمد والابتزاز فقط وإنما تتضمن اكتشاف شبكة رهيبة تقوم بالاتجار في البشر. من أين جاء هذا الجانب من جوانب الرواية؟
العار. أقصد أنك تنطلق بالسيارة في أرجاء هذه البقعة الجميلة من بقاع الدنيا، وتمضي وقتاً رائعاً للغاية، ويتم تدليلك بلا حدود. فأنت أمام مناظر بديعة، وأماكن يطيب العيش فيها، وطعام رائع، وأمور مدهشة يمكنك القيام بها، مثل التزلج على الماء، ولكنك تعبر متجاوزاً بعض الحقول لتجد أناساً آخرين يكدحون.
وفيما يتعلق بالقضايا المشار إليها، فإنها تحدث للصغار وهم يعانون على نحو فظيع. وإذا لم ينتزع ذلك جانباً من طرافة يومك، إذا لم يسرق الابتسامة من محياك، على الأقل للحظة، فلابد أن هناك خطأ ما في تركيبك العقلي والنفسي. ولذا فربما أكون قد أحسست باعتباري كاتباً يعيش في هذه المنطقة وخارجها بأنني تقع على كاهلي مسؤولية الكتابة عن بعض هذه القضايا، بما في ذلك قضية الاتجار في البشر.
المؤلف في سطور
* وُلد الروائي الأميركي دون ونسلو في نيويورك، ونشأ في ساوث كنسنجتون في رود أيلاند، وعمل ممثلاً ومخرجاً ومديراً للإنتاج السينمائي ومرشداً في رحلات سفاري ومحققاً خاصاً، واشتغل بالعديد من المهن الأخرى، قبل أن يصبح روائياً في نهاية المطاف.
* قدم للمكتبة إحدى عشرة رواية، أولها «نسيم عليل تحت الأرض »التي رشحت لجائزة إدجار، وفازت روايته «النيران والحياة في كاليفورنيا» بجائزة شيموس، وحولت روايته «موت وحياة بوبي زد» إلى فيلم في مارس 2007، واقتبست روايته «شتاء فرانكي ما شين» في فيلم يلعب بطولته روبرت دنيرو، وأحدث رواياته هي «دورية الفجر» ويعكف الآن على كتابة روايتين جديدتين.
* له، بالإضافة إلى ذلك، كتاب بعنوان «البحث عن بطل » بالاشتراك مع بينما ماسلومسكي، ومجموعتان قصصيتان، هما: «دوجي دونوت» و«مسيرة جميلة».
* قدم سيناريو فيلم «المسيرة الكاملة» بالإضافة إلى مسرحيتين هما »في عوالم مجهولة« و»ليتل رودي«، بالإضافة إلى العديد من الأعمال التلفزيونية.
منى مدكور
