على الرغم من أن رواية « دورية الفجر» التي أصدرها الروائي الأميركي دون ونسلو هي روايته الحادية عشرة، بالإضافة إلى مجموعتين قصصيتين فضلاً عن مسرحيتين وأعمال أخرى كتبها للشاشتين الصغيرة والكبيرة، فإنه لم يتم مد جسور التعريف بينه وبين القارئ العربي، ولو في الحدود الدنيا، كما أنه لم يترجم أي من أعماله إلى اللغة العربية، وذلك على الرُغم من فرادتها وأصالتها في ارتياد آفاق أقصى الجنوب الأميركي.
وربما كان في مقدمة الأسباب التي يمكن تقديمها في معرض تبرير هذه الوضعية، إلى جوار الإطار العريض الذي يشكله تراجع حركة الترجمة إلى العربية من الآداب الأجنبية، في العقود الأخيرة، أن روايات ونسلو كثيراً ما تصنف على أنها من أعمال الإثارة، التي تنحو إلى التسلية، وذلك على الرغم من فوزه عنها بالعديد من الجوائز الأدبية البارزة.
فضلاً عن هذا، فإن الكثير من النقاد يشيرون إلى أن روايات ونسلو كتبت بعين على القراء وصناعة النشر وأخرى على المخرجين وعالم السينما الملون، لكن ذلك لا يحسب بالضرورة باعتباره عيباً في إبداع ونسلو، ذلك أن التركيز على البعد البصري في أعماله قد يكون مصدر قوة، هو الذي يجتذب المخرجين، ويدفعهم إلى اقتباس أعماله، التي يصفها المعنيون بالفن السابع بأنها «سهلة التقطيع» بمعنى أن مادتها الخام تسلم قيادها بسهولة إلى الاختصاصين الذين يحولونها إلى مشاهد ولقطات.
ولا حصر للمرات التي قال فيها ونسلو إنه لا يكتب ليسهل مهام كاتب السيناريو والحوار، وإنما هو يكتب عما يعرفه ويحبه أيضاً، وإذا تصادف أن أجواء الجنوب الأميركي هي ما يحب ويعرفه، فلا شك في أن أعماله التي تدور في هذا الإطار تملك موهبة مخاطبة الأبعاد البصرية، التي تحرص هوليوود على رصدها واختيارها في الروايات التي تقتبس أفلامها منها.
والواقع أن مؤلفة رواية «شتاء فرانكي ماشين» التي وصفت بأنها تحولت إلى عمل كلاسيكي في اللحظة ذاتها التي رأت النور خلالها يعود إلينا في روايته الجديدة «دورية الفجر» برواية بديعة حقاً، تحظى بلطف أبطالها من عشاق رياضة التزلق على الماء وجموحهم والاندفاع الجارف للأمواج التي يعيشها هؤلاء الأبطال.
والرجل الذي يتصدر هؤلاء الأبطال، وهو بون دانييلز، يبدو لنا من الوهلة الأولى وكأنه يحيا لا لشيء إلا ليتزلج على الماء، فهو في كل صباح ينطلق ليحلق عالياً مع الأمواج قبالة شاطئ المحيط الهادي مع الأعضاء الآخرين في «دورية الفجر» وهم أربعة رجال وامرأة يشاركونه هذا الاهتمام الذي يوشك أن يكون استحواذياً بالتزلج عل الماء.
وأعضاء الدورية، على الرغم من اهتمامهم الفريد هذا بالتزلج على الماء، إلا أن ذلك لا يمنع من أن لديهم وظائفهم وأعمالهم التي يؤدونها خير أداء، أو هذا هو على الأقل ما يحاولون القيام به، فبون دانييلز على سبيل المثال يعمل تحرياً خاصاً، وهو يحصل على دخل من هذا العمل يكفي لإعاشته ويكفل له ركوب صهوة الأمواج وقتما يحلو له.
لكن بون مولع كذلك بقضية لم تعرف الحل يوماً، متعلقة بشابة تدعى رين، كانت قد تعرضت للاختطاف عندما كان بون لا يزال يعمل ضمن قوة شرطة سان دييغو. وهو يلوم نفسه، تماماً كما يفعل الجميع في دائرة الشرطة، على أنه لم يتمكن من إنقاذها في الوقت المناسب.الآن، وبينما لا يستطيع أن يرفض طلب المساعدة الذي تقدمت به محاصية فاتنة ترغب في أن يبادر إلى حل ألغاز قضية تأمين، فإنه يجد نفسه من دون توقع أمام فرصة لاستدراك بعض ما فاته في قضية الشابة المخطوفة رين، وللانتقام لاختفائها الذي ظل الغموض يسدل أستاره عليه.
وقد يعني هذا أن تفوته أقوى الأمواج التي يمكن أن تقع عيناه عليها، كما قد يعني تعريضه «دورية الفجر» للضرر الخطير، وذلك مع اشتباكه مع أعضاء العصابات المحلية، ولكن هذا التحقيق الذي يوشك على القيام به يمكنه المسيرة الأكثر ضراوة وخشونة في حياته، على نحو يفوق كل ما سبق إن خطر له ببال. هكذا تبدو لنا رواية «دورية الفجر» طريفة بقدر ما هي لاهثة الإيقاع، ومناصرة للحق بقدر ما هي حافلة بالصدامات والمفاجآت، ومثيرة للاهتمام من البداية حتى النهاية.
وهناك بعدان مثيران للاهتمام في الرواية منذ الملمح الأول فيها، البعد الأول هو المتعلق بالمكان، حيث يكاد المكان هنا، وهو ساحل جنوبي كاليفورنيا غير بعيد عن الحدود، يكون شخصية قائمة بذاتها، الأمر الذي يعيد إلى الذاكرة حديث المؤلف، في معظم المقابلات التي تجري معه، عن ظاهرة التماهي بين المكان والشخصيات.
ومن ناحية أخرى، فإن المرء لا يمكن إلا أن يتوقف طويلاً عند الاصطلاحات المتعلقة بالتزلج على الماء، التي يوظفها المؤلف بصورة مدهشة، وهي اصطلاحات مستمدة من واقع القاموس المتداول بين عشاق هذه الرياضة من أبناء كاليفورنيا وهاواي وساموا وغيرها، وهي تقدم لنا نسيجاً من الحوار الطريف الذي يمتد بين الشخصيات، وعلى الرغم من أننا قد نلمح تردي هذه الاصطلاحات إلى مستوى الفوضى في بعض المقاطع، إلا أن ذلك يطل جزءاً لا يتجزءا من طرافة لغة المعنيين بالتزلج على الماء وعفويتها ومرحها. وقد انعكس الجهد الكبير الذي بذله المؤلف في انجاز هذا العمل في تقدير النقاد في الدوريات المتخصصة على وجه التحديد لرواية دون ونسلو الحادية عشرة.
وتشير مجلة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة في عروض الكتب في مقال مطول لها إلى أن هذه الرواية تدور حول رجل شرطة سابق، يدعى بون دانييلز، ينغمس في رياضة التزلة على الماء، ويشاركه في هذا الاهتمام أعضاء «دورية الفجر»، الذين يتجمعون كل صباح على الشاطئ إلى الشمال من سان دييجو بولاية كاليفورنيا.
ولا بنهمك دون في عمله كمحقق خاص إلا بالقدر الذي يتيح له الاستمرار في حياته على النحو الذي يحبه، ولكنه قبل يصل ونسلو به إلى الصفحات الأخيرة من الرواية ليعود إلى التزلج على الماء من جديد، فلابد له من أن يخوض غمار العديد من المخاطر ويوشك على السقوط من ذروة أمواج هادرة، فهناك دان سيلفر، مالك نادي دان سيلفر للتعري، الذي ربما يكون قد أحرق مخزنه ليظفر بالتعويض من شركة التأمين.
وعندما تستعين شركة التأمين بالمحامية الجميلة بتراهول لمقاضاة سيلفر، فإن هذه الأخيرة تستعين ببون للقيام بمهام التحري، وإذا كان هذا كله يبدو كوميديا، فإنه كذلك بالفعل، ولكنها كوميديا سوداء، يواكبها العنف والكثير من الجدية مع تصاعد ونسلو بالأحداث والأمواج لكل المشاركين في أحداث الرواية.
وترى مجلة «لايبرري جورنال» بدورها أن العديد من الحبكات تجعل القصة الرئيسية أكثر قدرة على استقطاب القراء. وتظل هذه الرواية عملاً شديد الجاذبية والفتنة، الأمر الذي يدفع الكثيرين إلى الجمع بين قراءة صفحاتها وانتظار تألق أحداثها عبر الشاشة الفضية، خاصة وأن ونسلو يمضي بنا عبرها لإلقاء الضوء على شريحة هامشية من المجتمع الأميركي في منطقة لا يعرف الكثير من القراء إلا القليل عنها.
كأنهن أرواح راحلة
تلف النباتات البحرية بطانية فضية رقيقة فوق الساحل. والمحيط لون ليس أزرق تماماً، وليس أخضر تماماً، وليس أسود تماماً، وإنما هو شيء يقع في موضع ما بين هذه الألوان الثلاثة جميعها. بعيداً، على خط الأمواج يعتلي بون دانييلز لوح تزلجه العتيق على الماء، كأنه راعي بقر يمتطي جواده.
إنه ينطلق في دورية الفجر.
تبدو الفتيات كالأشباح.
مقتطف من رواية « دورية الفجر»
الكتاب: دورية الفجر
تأليف: دون ونسلو
الناشر: نوف ـ نيويورك 2008
الصفحات: 336 صفحة
القطع: المتوسط
The Dawn Patrol
Don Winslow
Knoph,N.Y. 2008
P.336
