يمثل كتاب «السينما المستقلة في مصر» بداية خطوة نحو حماية التراث الفوتوغرافي والسينمائي والتلفزيوني وتطوير البنية الاقتصادية لصناعة السينما وتنظيم المهرجانات والمعارض وورش العمل وإصدار المطبوعات.
يحاول الكتاب الإجابة عن: ماهية السينما المستقلة معتبرا أن هذه السينما عبارة عن حركة فنية برجماتية تحاول تجاوز من يقف أمام إنتاج أفلام سينمائية ذات إبداع وفكر خاص. جاءت الانطلاقة الأولى للسينما المستقلة مع فيلم جنس وأكاذيب وفيديو 1989 للمخرج ستيفن سودربرج الذي عرض ضمن فعاليات مهرجان كان السينمائي الدولي وحصوله على جائزة السعفة الذهبية.
ومنذ ذلك الحين، جذبت السينما المستقلة الانتباه إليها، وأصبح العديد من المخرجين من الشباب في أميركا بشكل خاص والعالم بشكل عام، يحلمون بصناعة أفلامهم. خاصة وأن السينما المستقلة تعتمد في المقام الأول علي التحرر من قيود الإنتاج والتوزيع والذوق العام السائد بقوة على الحياة الفنية. وفي محاولة لكسر النمطية السينمائية الإنتاجية السائدة أمام أجيال السينمائيين الجدد، نظم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في عام 1988 بانوراما حول السينما الأميركية المستقلة.
ورغم تلك المجهودات البسيطة، ظل هذا الاتجاه السينما المستقلة مجرد مصطلح ومعلومة لا تؤثر في الواقع السينمائي المصري، وإن كان هناك بوادر أولى عن السينما المستقلة ولكن تحت مسميات أخرى، تعد اشكالا تمهيدية للسينما المستقلة. وتبلورت تلك الإرهاصات الأولية للسينما المستقلة من خلال الورش والدورات التدريبية التي قدمتها ثلاث مؤسسات ثقافية هي بروهلفسيا ـ سويسرا وقصر السينما ـ مصر وأخيرا معهد جوته ـ ألمانيا في القاهرة.
مراحل التطور
في عام 1990 نظمت مؤسسة بروهلفسيا الثقافية السويسرية أول ورشة للفيديو آرت، وفي مصر كان للمؤسسة الثقافية الفضل في تعريف الفنانين بهذا اللون الوافد الجديد الذي ليس له علاقة عادة بفناني السينما وضمت الورشة الأولى في صفوفها نخبة من المشاركين منهم معدا الكتاب (احمد حسونة ومحمد الأسيوطي)، ووجيه جورج، واحمد ماهر ومنير العمدة وأسامة خليل وسميح منسي ومني ربيع وعادل يحيى وآخرون.
وتفاوتت ردود الأفعال عند عرض ورشة بروهلفسيا أول نتاجها الفني في ديسمبر 1990 بين مؤيد ومعارض. وبعد نجاح الملتقى التعليمي الأول تزايد الإقبال على هذه الورش من قبل محبي السينما لاكتساب مهارات عملية جديدة، لاسيما وان وسائل التعليم الفني في مصر كانت محصورة في تلك الفترة على معهد السينما فقط.
وضمت القوائم للورش التعليمية أسماء عديدة منها على سبيل المثال أيمن خوري وفارس عبد الكريم ومحمد علبة ومنال كريم وإيهاب عبد اللطيف وشهدي نجيب ومجدي الزقازيقي. وبعد مرور سبع سنوات على أول ورشة للفيديو آرت في مصر. أفرزت هذه الدراسة أجيالا عديدة ممن عملوا في مجال الفيديو آرت وقدموا معرضاً جماعياً في قاعة الفنون بالهناجر اشترك فيه كل من أيمن خوري ومحمد عبلة واحمد حسونة وحسن خان وإيهاب عبد اللطيف وآخرون.
والجدير بالذكر هنا أن فن الفيديو آرت لم ينحصر عند الحدود المحلية بل انطلق إلى الآفاق العالمية أيضا على أيدي شادي النشوقاتي وشريف العظمة وأمل قناوي وحسن خان. وإذا اعتبرنا أن هذا الكتاب هو أول محاولة لسرد وتوثيق بداية السينما المستقلة وتطورها في مصر، فيجدر الإشارة هنا إلى الدور الذي لعبه جاليري تاون هاوس في تطوير فن الفيديو آرت في مصر، وجهود مديره وليم تل الذي آمن بهذا الاتجاه الفني، وقام بمساندة الشباب من الفنانين، وذلك من خلال توفير فرص عديدة لإنتاج وعرض أعمالهم.
ومع تزايد الإقبال على تعلم الفنون بعيداً عن بيروقراطية الأكاديمية الفنية الوحيدة في مصر، وتعطش الكثيرين إلى دراسة الفن السينمائي، أعدت مؤسسة بروهلفسيا عام 1997 ورشة فنية جديدة بعنوان السينما الرقمية المستقلة وساعد على نجاح تلك الورش، حدوث طفرة تكنولوجيا عالية في مجال الكاميرا الرقمية ووحدات المونتاج ذات التكلفة المنخفضة، مما أتاح الفرصة لصانعي الأفلام أن يتخطوا العديد من العقبات.
وهكذا ساهمت الجهات الثلاث مؤسسة بروهلفسيا وقصر السينما ومعهد جوته في وضع حجر أساس السينما المستقلة في مصر، وتمخض عن تلك الإسهامات أجيال متعاقبة من محبي السينما تشكل من خلالهم النواة الحقيقية للسينما المستقلة في مصر. ويمكن القول ان أول احتفالية تضمنت حصاد السينما المستقلة جاء مع مهرجان الصورة الحرة بالمركز الثقافي الفرنسي عام 2000 ، وتم عرض أعمال من إنتاج دورات هواة السينما المستقلة، والورش الفنية التابعة لمؤسسة بروهلفسيا إلي جانب أفلام مستقلة من إنتاج أفراد بالكامل.
وبدأ الاعتراف الحقيقي بالسينما المستقلة في السنوات الخمس الماضية، حيث أقيم على هامش فعاليات مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الروائية والتسجيلية، برنامج عن السينما المستقلة في الوطن العربي أعده المخرج احمد رشوان وحسام علوان. ومع التراكم الكمي والكيفي للأفلام المستقلة، جاء الاعتراف الفعلي بشرعية أفلام الفيديو، وهو الوسيط السائد والمستخدم بواسطة المخرجين المستقلين. وتم عرض الأفلام المستقلة ضمن برامج المهرجان القومي للسينما المصرية عام 2004، والجدير بالذكر أن احمد أبوزيد المخرج المستقل حصل علي جائزة أفضل فيلم روائي قصير عن فيلمه من بعيد .
وشجع الإقبال المتزايد من الشباب على تعلم الفن السينمائي على دخول جهات جديدة أخرى لتنظيم دورات تدريبية مثل أكاديمية رأفت الميهي، وآرت لاب، وأستوديو عماد الدين وسمات وجمعية السينمائيين التسجيليين. ولم يقتصر فضل السينما المستقلة على الشبان المخرجين فقط، ولكنها جذبت أسماء لامعة في عالم الإخراج بحثاً عن حرية الإبداع مثل محمد خان وخيري بشارة ويسري نصر الله الذي يعد رائداً في مجال السينما المستقلة، إذا وضعنا في الاعتبار أن فيلمه الأول سرقات صيفية إنتاج 1988 هو أول فيلم مستقل في مصر.
التأسيس للسينما المستقلة
يشار إلى جهات عديدة ساهمت بصورة أو بأخرى في رسم ملامح السينما المستقلة في مصر منها مؤسسة فورد الأميركية ومؤسسة سيدا السويدية مؤسسة المورد الثقافي العربية والمؤسسات الهولندية، ويعد المجلس الثقافي البريطاني احدث المؤسسات التي تبدي اهتماماً بالسينما المستقلة مؤخراً.
خالد عزب
الكتاب: السينما المستقلة في مصر
إعداد: أحمد حسونة محمد الأسيوطي
الناشر: وزارة الثقافة القاهرة 2008
