يحاول الدكتور أحمد زايد في كتابه «صور من الخطاب الديني المعاصر» أن يفهم النصوص وذلك بإخضاعها للتحليل وفق الأطر النظرية لسوسيولوجيا الدين ومن ثم فانه يضع هذه النصوص دائما في سياقها ويشرح الظروف المحيطة التي تؤدي إلى هذه الخلاصات. كما يحاول المؤلف من خلال تحليلاته أن يطل على المستقبل.

يقول د. أحمد زايد أنه منذ أن انهار نظام الحكم الشيوعي في الاتحاد السوفييتي عام 1989م والعالم يتغير بسرعة لم يعرفها عبر تاريخه الطويل، فعند قمة النظام العالمي بدأت سيطرة القطب الواحد، وبدا أن في الأفق صوراً جديدة من الهيمنة، وصوراً جديدة من إعادة تنظيم العالم وتنضيده على نحو جديد. وعند قاع النظام العالمي بدأت الأيديولوجيات القومية والشعبوية تضع أوزارها، وبدأت معظم الدول النامية تكيف اقتصادياتها مع متطلبات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وكلاهما يعمل وفق مقتضيات نظم الهيمنة العالمية الجديدة.

ولقد صاحب هذا التحول تحولاً في الأيديولوجيات السياسية، وكانت السمة الرئيسية في هذا التحول، هي ظهور التيارات المحافظة في الغرب، وتربعها على عرش السلطة لفترات حكم طويلة. وأحسب أن هذه التيارات كانت تعبيراً عن مظاهر ثقة جديدة في النظام الرأسمالي وقدراته، ثقة تشبه الثقة التي انتشرت في الخمسينيات من القرن العشرين وعلى إثر انحسار آثار أزمة نهاية الثلاثينيات.

فإذا كانت الثقة قد أفرزت في الخمسينيات من القرن الماضي فكرة نهاية الأيديولوجيا، وأنهت مرحلة الحرب الباردة، فإن الثقة التي تولدت في الثمانينيات وما بعدها قد أفرزت فكرة نهاية التاريخ، وهيأت لحروب جديدة كان يعتقد النظام الرأسمالي أنه يغلق من خلالها ما تبقى من أبواب التاريخ، ليحقق الانتصار الأعظم. وفى الوقت الذي كانت فيه هذه التغيرات تحدث في قمة النظام الرأسمالي.

فقد كانت هناك تغيرات أخرى تحدث عند القاع، مزيد من الفقر، ومزيد من اتساع الهوة بين الطبقات الرأسمالية الناشئة والطبقة الوسطى التي سلبت منها أدوارها في الريادة والقيادة، ومزيد من انتشار آليات السوق وثقافة الاستهلاك التي قرصت بطون الناس وعقولهم قرصاً شديداً. وصاحب ذلك تفاقم الخلافات الإقليمية والعرقية والدينية، التي برزت فيها أساليب استخدام القوة الغاشمة.

وكان من الطبيعي أن يصاحب ذلك كله بروز أيديولوجيات محافظة، لا في إطار الدول الوطنية فحسب، بل من عامة الناس. وأصبح الدين ملاذاً للاحتماء والمقاومة. وأصبح الرجوع إلى التقاليد وإلى كل ما هو قديم طريقاً للاحتماء من وطأة الحداثة في صورتها المتأخرة. وفى ظل هذه التغيرات تحول الحقل الديني إلى حقل إذاعة كبير، وتحولت الشعوب ـ خاصة الإسلامية منها ـ إلى حالة إصغاء لرجال الدين ودعاته. ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتدشن مرحلة جديدة في هذا التحول، ولتعلن أن التاريخ والأيديولوجيات لم ينتهيا بعد.

ويضيف المؤلف لم يكن الخطاب الديني بعيداً عن كل هذه التحولات، لقد صاحبها، وتحول معها، وتفاعل في إطارها أكثر من أي خطاب آخر. لقد بدا الدين للكثيرين بديلاً لمفهوم القومية، وأصبحت القضايا المتعلقة بالدين ودوره في الحياة المعاصرة موضوعاً للنقاش والمجادلة الأيديولوجية، بل أصبحت هذه القضايا موضوعاً للنقاش والحوار اليومي لقطاعات كبيرة من البشر. وأدى ذلك إلى الالتفات للخطاب الديني بالدرس والبحث.

ويشير المؤلف إلى النصوص المكتوبة التي تصدر عن المؤسسات الدينية أو عن رجال الدين أو تلك التي لها خلفية ايديولوجية ذات صبغة دينية أو عقائدية، تعبر عن وجهة نظر محدودة إزاء قضايا دينية أو دنيوية يعمل الخطاب الديني الذي يتجلى بمواقف صادرة عن مؤسسات دينية أو عن أفراد يمثلون هذه المؤسسات حيث تظهر هذه النصوص على شكل كتب أو خطب أو مقالات صحفية أو نشرات.

ويؤكد د. زايد أن مؤسسات إنتاج الخطاب الإسلامي لا تقتصر على المؤسسات الرسمية التي تنحصر في ثلاث مؤسسات هي: الأزهر، وزارة الأوقاف، دار الافتاء، انها تتسع اتساعا كبيرا لتشمل المساجد التي تنتمي إلى وزارة الأوقاف شكلا ولكنها قد لا تلتزم بالضرورة بسياسة الوزارة، بل تخضع لاتجاهات أئمة المساجد وميولهم الدينية والسياسية.

وهناك أيضا الجماعات السياسية غير الرسمية ذات التوجه الديني التي تصدر نشراتها الخاصة وبياناتها الخاصة وأهم هذه الجماعات هي جماعة الأخوان المسلمين، التي لها سيطرة علي بعض المساجد، ويضيف الباحث أن هذه المؤسسات الدينية (الأزهر، الأوقاف، دار الافتاء، المساجد المستقلة) ليس هناك ثمة وحدة أو تنسيق بين هذه المؤسسات التي تنتج الخطاب الديني الإسلامي، الأمر الذي يجعل الخطابات الصادرة عنها لا تتسم في الكثير من الأحيان بالانسجام.

بل إننا قد نلحظ عدم الانسجام هذا، داخل المؤسسة الواحدة كالصراع القائم بين إدارة الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية أو جبهة علماء الأزهر وهي هيئة مستقلة تأسست من خلال جماعة مشايخ الأزهر الذين رأوا في فتاوى شيخ الأزهر ومواقفه تنازلا، ويظهر الاختلاف وعدم الانسجام على نحو أعمق في مواقف الدعاة المتصلين بالناس داخل المساجد والذين لا يختلفون في مواقفهم فحسب، بل في عمق درايتهم بالدين أيضا.

الخطاب الديني

يسلط الكتاب الضوء على ثلاثة مستويات من الخطاب الديني الأول: هو الخطاب الذي تنتجه المؤسسات الدينية مثل الأزهر أو الكنيسة القبطية أو الذي تنتجه نخبة دينية لها تأثير واسع في القراء أو المستمعين. والثاني: هو الخطاب الديني الذي ينتج في المساجد أو الكنائس وهو خطاب متنوع يخضع للاجتهاد الشخصي في الكثير من الأحيان، رغم انه ينبع من المؤسسة الدينية رسميا، والثالث: الخطاب الديني كما يتجسد في حياة الناس اليومية وكما يعبر عنه الحديث اليومي للأفراد أو عبر تفاعلاتهم الاجتماعية.

المؤلف في سطور

د.أحمد أبو زيد كان أستاذا زائرا في الكثير من الجامعات العربية والغربية، وعقد العديد من الاتفاقيات مع جهات علمية وثقافية في العالم، وتقلد عدة مناصب ومثل مصر في الكثير من المؤتمرات والندوات العالمية، وله العديد من الكتب والأبحاث والمقالات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وله إسهامات رائدة في الدراسات الأنثروبولوجية العربية.

وقام بإنشاء قسم الأنثروبولوجيا بجامعة الإسكندرية وهو القسم الوحيد من نوعه في كل جامعات الشرق الأوسط، وقد تخرج منه معظم الذين يتولون تدريس الأنثروبولوجيا الآن في العالم العربي،شارك في تأسيس مجلة (عالم الفكر) في الكويت وعمل مستشارا لتحريرها لمدة سبعة عشر عاما ومن كتبه المهمة الموت والشعائر الجنائزية في مصر ، البناء الاجتماعي بجزءيه:المفهومات والأنساق، ثم كتاب المدخل إلى البنائية أو البنيوية الفرنسية وقد نشره المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، ثم كتاب المجتمعات الصحراوية في مصر: الكتاب الأول ـ شمال سيناء .

محمد الحمامصي

الكتاب: صور من الخطاب الديني المعاصر

تأليف: أ.د. أحمد زايد

الناشر: دار العين للنشر القاهرة 2007

الصفحات: 238 صفحة

القطع: المتوسط