استعرض الدكتور والباحث السياسي العراقي عبد الكريم العلوجي في كتابه الأعمدة السبعة رؤية متكاملة ومتصلة حول إبراز ركائز الواقع والمستقبل العربي، وهي بمثابة محاور للحوار الفكري والسياسي الموسع حيث تضمن هذا الكتاب من المحاور دراسات عامة حول أعمدة المستقبل العربي الرئيسية، والتي امتدت من الإسلام السياسي إلى الثقافة فالتعليم ومن الاقتصاد إلى صناعة السلاح متطرقا إلى الحروب والمقاومة العربية في مواجهتها.
ويرى الكاتب أن النظام العربي اليوم يواجه تحديات كثيرة أخطرها هو المشاريع الإقليمية الجديدة التي يمكن أن تكون ذات طابع وهدف إحلالي للمشروع القومي في نهاية المطاف، ويمكن أن تؤثر سلبيا على العمل العربي المشترك، وعلى الكيان العربي ذاته بالإضافة إلى الهوية القومية، ويتمثل هذا التطور في صورته القصوى برأي المؤلف في مشروع »التعاون الإقليمي الشرق أوسطي« والمطروح من خلال المؤتمر السنوي للتنمية والتعاون الاقتصادي لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وتطرق الباحث إلى أثر السياسة في المستقبل العربي مسلطا الضوء على أحداث 11 سبتمبر وما تركته من آثار على وطننا العربي، حيث غيرت هذه الأخيرة المفاهيم الدولية حيث استغلت أميركا هذا الحدث لتثبت مصالحها وهيمنتها على العالم بحجة محاربة الإرهاب، وأصبح العالم منسجما مع هذه المفاهيم الأميركية، لتصبح أميركا بدورها هي القانون الدولي الذي يفرض على العالم ما تجده لصالحها رافعة بذلك شعارها »من لا يكون معي فهو ضدي«.
ويرى العلوجي بأنه من الضروري النظر إلى المستقبل العربي من خلال موارده المالية والنفطية وهو موضوع العمل العربي المشترك الذي تقاومه إسرائيل والدول الرأسمالية بتفتيت الدول العربية وتحطيم القومية العربية بكل الوسائل، ومن هنا يطرح السؤال التالي: كيف نواجه التحدي الأميركي؟
واستعرض العلوجي دور الدين الإسلامي في المستقبل العربي الذي جاء كدين لإصلاح المجتمعات الإنسانية ويحمل بين جناحيه العدل والمساواة والإخاء والحرية.
ويؤكد الباحث على أن العالم الإسلامي اليوم يحظى باهتمام الفكر الأميركي الذي يواصل ؟ انطلاقا من صدمة 11 سبتمبر ؟ تحليل النزعات السياسية والاجتماعية لدى المسلمين، ومن اتجهت دوائر كثيرة في الغرب بعد الأحداث إلى خلق صورة من الصراع مع العالم الإسلامي خصوصا دول الارتكاز.
حيث بدأ الغرب بملاحقة ما يسميه بالإرهاب في أفغانستان ثم وسع الدائرة إلى رسم مستقبل معاقبة لمجموعة من الدول الإسلامية، وهكذا بدأت الرؤية الغربية في شكل كبير تتجه إلى شمولية الصراع وملاحقته الرؤية الإسلامية التي سجلت في أحداث الحادي عشر من سبتمبر رفضها لهذا العمل تحت مفهوم ينطلق من مبدئية ومصلحة الإسلام.
وفي السياق نفسه يذهب العلوجي إلى أن دوائر إعلامية وثقافية قد أشاعت للفرد الغربي بان الأزمة التي بدأ الغرب يواجهها هي من إنتاج وصناعة الثقافية والاقتصادية الإسلامية المتداولة في دول الارتكاز الإسلامي المهددة لوجود الغرب وحضارته.
ومن هنا يرى العلوجي أن العقل العربي مدعو اليوم وفي هذه الأحداث التي تجري من حولنا إلى تقدم التراث الروحي الشرقي لكل ما يجعل من قيم روحية غابت عن الحضارة المعاصرة وأصبحت الحاجة ملحة اليوم لبعث هذا التراث الروحي ولتقديم خبرة حقيقية من صميم أصالة الشرق الإسلامي، وأن الإسلام يستوعب كل الحضارات والديانات الأخرى بدون أن نفقد هويتنا الروحية ودون أن نقطع جذورنا الدينية ودون خوف أو شعور بالضعف أمام فكر جديد.
وينقلنا الكاتب إلى الثقافة ودورها في المستقبل العربي من التراث إلى العولمة في ظل ما تعانيه الأمة الإسلامية والعربية من الغزو الفكري الذي يعمل على شغل الناس بكل ما هو بعيد عن الفهم الصحيح لمبادئ الإسلام والعروبة، ولا يخفى على أحد أن التيارات الغازية تعمل بكل ما تملك من إمكانيات على غزو المجتمعات الإسلامية والعربية غزوا يفتت الأمة ويضعف انطلاقها ويقيد حركتها ويبعدها عن الواقع.
ويرى المؤلف بأن الغزو الفكري أصبحت اليوم من أشد القضايا خطرا، وتبدو ظواهر الغزو المدمر في قلوب وعقول كثير من المثقفين في هذا العصر واضحة بينية، وعلى الرغم من الحملات الاستشراقية لكنها لم تتمكن من القضاء على ثقافتنا. ويعتبر العلوجي الثقافة هي تعبير عن واقع الأمم شكلا وجوهرا فمن خلالها يمكن الحكم على صورة المجتمع فكرا وحضارة وعلما وفنا وأدبا تقدما أو تأخرا، وقد ظهرت الثقافة في تاريخنا العربي كشكل للعلم والحكمة والتربية والأخلاق لإصلاح الفرد والأمة، لتنظيم الأسرة والعلاقات الاجتماعية.
وأشار المؤلف إلى الاقتصاد والمستقبل العربي في المرحلة الدقيقة التي يجتازها الوطن العربي في فترة القرن الحادي والعشرين حيث يواجه مجموعة متنوعة ومتداخلة من التداخلات الكبرى ( القطرية-القومية ؟ الإقليمية والدولية)، ويعيش عصر الكيانات الاقتصادية الكبرى، ولابد من إدراك أولية وأهمية التكامل الاقتصادي العربي الذي كان ولا يزال الهدف الكبير لتحقيق التنمية العربية وبناء اقتصادي عربي قوي، تكون السوق العربية المشتركة جوهره وغايته والتي تم إفرازها منذ عام 1964 واعتبارها أمل الأمة العربية منذ أربعة عقود على الأقل.
وفي تحليله للوضع الاقتصادي الراهن للوطن العربي يرى العلوجي بأنه في أسوأ أوضاعه وأقل حظوظه وفرص نجاحه اقتصاديا، فقد واجه تحديات المستقبل الاقتصادي والسياسة الحضارية كدول منفردة متفرقة،ولا يمكنه مواجهة هذه التحديات الاقتصادية والسياسية والتعامل معها إلا من خلال منظور قومي جماعي يشمل الفكر والتخطيط والعمل،ويديره ويوجهه عقل عربي جماعي واحد يعمل على مختلف مستويات صنع السياسات واتخاذ القرارات وتنفيذ الالتزامات والاضطلاع بالمسؤوليات.
وقد يتسنى ذلك من خلال إستراتيجية قومية تتبنى هدف بناء كيان اقتصادي قومي عملاق، يتجسد في السوق العربية المشتركة التي تضم كافة الدول العربية في أقرب وقت ممكن، والتي لا يمكن أن تبدأ من الصفر ولكنها تبنى على قاعدة قائمة بالفعل وتنطلق من نواة متوافرة في الحقيقة والواقع.
وتطرق الباحث إلى التحديات التي تواجهها الدول العربية على المستوى القطري، وهي الآن تجتاز بصورة أو أخرى مراحل من التطور الإنمائي والتحول الاقتصادي نحو اقتصاد السوق، بما ينطوي عليه من تخطيط وإعادة هيكلة لاقتصادها وسياسات وبرامج إصلاح اقتصادي وتحرير وخصخصة، وهكذا فإن الجهود الوطنية المبذولة على مستوى الاقتصاديات القطرية تتوفر لها فرص أفضل للنجاح إذا تدعمت بالجهد الاقتصادي القومي التكامل، وفي إطار مفهوم شامل للتنمية العربية المشتركة والسوق العربية الواسعة التي تتجاوز النطاق المحلي.
العقل العربي
العقل العربي مدعو اليوم وفي هذه الأحداث التي تجري من حولنا إلى تقدم التراث الروحي الشرقي لكل ما يجعل من قيم روحية غابت عن الحضارة المعاصرة وأصبحت الحاجة ملحة اليوم لبعث هذا التراث الروحي ولتقديم خبرة حقيقية من صميم أصالة الشرق الإسلامي، وأن الإسلام يستوعب كل الحضارات والديانات الأخرى بدون أن نفقد هويتنا الروحية ودون أن نقطع جذورنا الدينية ودون خوف أو شعور بالضعف أمام فكر جديد.
ناهد رضوان
الكتاب: الأعمدة السبعة للمستقبل العربي
تأليف: د. عبد الكريم العلوجي
الناشر: دار الكتاب العربي حلب 2008
الصفحات : 287 صفحة
القطع: الكبير
