تعتبر النقود الفلسطينية بمثابة منجم غني جدّاً بالمعلومات التاريخية والجغرافية والاقتصادية والسياسية والفكرية والروحية والفنية والجمالية والمهنية والاجتماعية وكل ما يتعلّق بأرض فلسطين وشعبها وحضاراتها ومعتقدات سكانها وعاداتهم وتقاليدهم ومناسبات انتصارات حكامهم وعلاقات فلسطين بالعالم الخارجي عبر العصور التاريخية.
وهذا يتطلب الاهتمام بها والمحافظة عليها وتشكيل مجموعات منها ودراستها وعرضها للإفادة منها في نشر المعرفة التاريخية والجغرافية، لتحقيق المحافظة على التراث والممتلكات الثقافية الفلسطينية. فقد أصبحت النقود المعدنية وثائق تاريخية هامة لا يمكن الاستغناء عنها، فهي تزوّد الباحثين بمعلومات غنية عن الماضي وتاريخه وزعمائه واقتصاده ومجتمعه وأفكاره وفنونه ونشاطه وكتاباته وكل ما يتعلّق به. وما بقي من النقود المعدنية الفلسطينية يعتبر خير مساعد على معرفة المدن القديمة وأسمائها والمواقع الأثرية والمباني التاريخية والمنحوتات الفنية والنصوص الأدبية والقصص الميثولوجية وغيرها من المعارف التي توصّل إليها الفكر والإبداع الإنساني.
إنّ أقدم ظهور للنقود في فلسطين يعود إلى الكنعانيين القدماء الذين سكنوا أرض مصر في أوائل الألف الثالثة قبل الميلاد، وكانت نقودهم البدائية تشبه القضبان والصفائح والحلقات، ثم تطوّرت وأصبحت أقراصاً معدنية متساوية إلى حدّ كبير وعليها طابع رسمي، وقد قلّد الفينيقون (سكان الساحل السوري) الليديين فاتخذوا سبائك ذات وزن محدّد معلوم عليها طبعة خاتم مميّز، ومن نماذج نقودهم: مشهد سفينة فينيقية ورسم للإله (بعل) وشكل جذع إنساني له نهاية ذيل سمكة ذات قشر صدفي. في عهد الإسكندر المقدوني وقوّاده صارت النقود تسك بكميات كبيرة في المدن السورية: إنطاكية، دمشق، صيدا، عكا، وقد تميّزت نقود العصر الهلنستي بالجمال الفني والدقة والإتقان المهني وتعتبر صور الملوك الشخصية من روائع فن الصور الشخصية المتميزة بالجمال المثالي، كما ظهرت في هذه الفترة إلى جانب النقود الفضية، نقود برونزية بكميات كبيرة وأنواع مختلفة، مما يعني إلقاء نظام التبادل العيني القديم وإحلال النقد المعدني مكانه في كافة المناطق السورية.
كما اكتشفت نقود كثيرة خاصة بمدينة أثينا، منقوش عليها صورة بومة (رمز الربة أثينا) وإلى جانبها حروف يونانية (ءد) من اسم الربة أثينا، مما يدل على ازدياد حجم النشاط التجاري والاقتصادي، بين المدن الفلسطينية، وباقي المدن السورية ومدينة أثينا. أما نقود الإسكندر المقدوني، فقد مثّلت على شكل صورة جانبية لرأس الملك، تظهره بملامح مثالية الجمال ويعلوه جلد سبع وعلى ظهر النقد أحد أرباب الميثولوجيا (زيوس) واسم الإسكندر بحروف يونانية.
وفي الفترة السلوقية ظهرت نقود تحمل صورة الملك السلوقي الشخصية بجمالها الفني المثالي وعلى ظهر النقد صورة أحد أرباب الميثولوجيا (زيوس، أبولون) واسم الملك السلوقي وألقابه بحروف يونانية وتاريخ السك بحروف يونانية، اعتماداً على بدء الحكم السلوقي عام 312 ق.م. وتحمل النقود البطلمية صورة الملك الشخصية وعلى ظهر النقد نسر باسط جناحيه وهو يقف على صاعقة وحوله كتابة تتضمن اسم (بازيليوس وبطليموس) بحروف يونانية.
النقود الفلسطينية في العهد الروماني: حصلت كثير من المدن الفلسطينية في هذه الفترة على حقّ ضرب نقود تحمل اسمها، ومن هذه المدن: (تل السمخ، عكا، اللد، عمواس، يافا، عسقلان، غزّة، آنتيدون، رفح، بيت جبرين، جلس، سبطية، السامرة، أشدود، بيسان، صفورين، طبرية، أرسوف، وحيفا).
وقد حملت النقود المسكوكة صورة جانبية لرأس الإمبراطور الروماني تحيط به كتابة اسمه وألقابه وعلى ظهر النقد صورة الربة (تيكا) ربة الثروة والسعادة يعلو رأسها تاج له شكل أسوار المدينة وعليه تاريخ السنة واسم المدينة التي تمّ الضرب فيها، وقد يستبدل رسم الربة بقرن خصب يحيط به إكليل نباتي، وقد يقترن رسمها مع صورة نيبتون وأندروميد التي ترفع يديها إلى السماء مع صورة حمامة، بينا أضافت غزّة على ظهر نقدها رمز الرب مارنا بين سنبلتين.
وكان على ظهر نقود (تل العجول) ثلاث سنابل متصلة ببعضها في أسفلها ويحيط بها طوق. بينما أضافت مدينة (نابلس) شجرة نخيل ومدينة (سبطية) صورة جوبيتر الذي يبدو جالساً وهو يحمل على يده نسراً واستبدلته مدينة أشدود برأس هرقل وقرن الخصب. وقد استمرّت عملية ضرب النقود الإمبراطورية في القدس باسمها (إيليا) في عهود الأباطرة الرومان الذين تعاقبوا على الحكم.
وإذا كانت دور السك قد تقيّدت بإبراز صورة الإمبراطور على وجه النقد فإنها تفنّنت في اختيار الموضوع الميثولوجي المناسب لتزيين ظهر النقد بصورة جوبيتر أو مينرفا أو رب الشمس والنور أو النسر الروماني أو باخوس أو المقاتلين (الديوسكور) أو رأس (سيرابيس) أو الذئبة التي ترضع الطفلين: رومولوس وروموس. وفي عهد الإمبراطور (طيبريوس) ظهر على وجه النقد اسم الإمبراطورة (جوليا) زوجته وقد توزّعت حروف اسمها على سطرين وسط إكليل نباتي جميل، وعلى ظهر النقد سنبلة قمح وتاريخ ومكان الضرب، بينما ظهرت صورة الإمبراطور طيبريوس فوق قرني خصب.
وفي عهد الإمبراطور (كلود) وزوجته (آجريبينا) سكت نقود إمبراطورية بكميات كبيرة، نجد على الوجه اسم القيصر إلى جانب سعفتي نخيل وفي الأسفل تاريخ ضرب النقد، ج، وعلى ظهر النقد اسم زوجة القيصر جولينا آجريبينا وزعت على عدّة أسطر وسط إكليل نباتي جميل.
النقود الفلسطينية في فترة الحكم العربي الإسلامي:
بعد أن حرّر العرب فلسطين من الحكم البيزنطي، ظلّت النقود الفلسطينية متأثرة بالشكل البيزنطي يضاف إليها اسم المدينة التي سكّت فيها باللغة العربية، وقد تدرّج العرب، المسلمون في تعريب السكة تحاشياً لردود الفعل من قبل الرعية التي قد لا تتقبّل السكة الجديدة، لأن معظم الناس كانوا يتعاملون مع السكة التقليدية المألوفة وجميع ممتلكاتهم وشؤون حياتهم ترتبط بها.
وإذا كان كل من عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد ومعاوية بن أبي سفيان قد سكّوا نقوداً عربية، فإن الفضل يعود إلى عبد الملك بن مروان في تعريب النقود الذي تبنى صيغة نقدية ظلت الأساس الرئيسي للنقود العربية، فقد أصدر عبد الملك ديناراً عربياً عام 74 هـ عليه صورة ترمز إلى الخليفة وهو واقف، يده اليمنى تمسك مقبض سيفه، يهمّ بسلّه من غمده، ويده اليسرى ممسكة بالغمد، شعر رأسه مفروق ومرسل ووجهه متجه نحو الأمام، يرتدي بردة فضفاضة مزدانة بثنيات مائلة وحول الصورة قول مأثور.
يختلف من نقد لآخر، قائم فوق قاعدة مكوّنة من ثلاث درجات وفي أعلاه دائرة وإلى جانبه يتوضع مكان دار السكة، وعلى المحيط قول مأثور يشبه الأقوال التي على الوجه، وحول اسم الخليفة عبارة (محمد رسول الله). وكذلك أصدر فلوساً نحاسية تحمل الشعار ذاته، ضربت في (إيلياء) فلسطين، أي بيت المقدس. وفي (يبني) و(جبرين) وكذلك في عمان. وبعد ذلك ظهرت الكتابات العربية الخالصة على وجهي النقد:
الوجه: (لا إله إلا / الله وحده / لا شريك له)
على الهامش الدائري الآية: (محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله).
الخلف: (الله أحد الله / الصمد / لم يلد / ولم يولد).
وعلى الهامش الدائري: (بسم الله ضرب هذا الدنير ب... سنة...).
وفي زمن هارون الرشيد حدثت عصية بالشام بين أهلها فأرسل جعفر بن يحيى لإخمادها فأتاهم ومعه القواد والعساكر والسلاح والأموال وألمح بينهم فعادوا إلى الأمن والطمأنينة وأطفأ تلك الثائرة. وقد ظهر فلس من ضرب مدينة الرملة عليه اسم جعفر، وكذلك ظهر فلس ضرب في طبرية عام 181 هـ وعليه اسم الخليفة هارون الرشيد.
كما أصدر الطولونيون نقداً ذهبياً بعشرات الملايين من الدنانير وبعض النقد الفضي وقليلاً من الفلوس النحاسية، ومعظم الذي ضربوه كان في مصر وفلسطين. وبعد أن استردّ القائد العباسي محمد بن سليمان فلسطين وبلاد الشام ومصر، حمل معه إلى الخليفة المكتفي ما بلغ نحو مليوني دينار طولوني، وقبل أن يعود إلى بغداد ضرب ديناراً عبّاسياً صرفاً في الرملة عاصمة فلسطين، عام 291 هـ فور استيلائه عليها.
وفي فترة الحروب الصليبية سكّت نقود فضّية في فلسطين وكانت غريبة جدّاً عن طابع النقود الفلسطينية التي عرفت في العهود السابقة، وهناك دينار أيوبي هام ضربه صلاح الدين في دمشق، في العام الذي انتصر فيه على الصليبيين في حطين واستردّ فيه بيت المقدس عام 583 ه، وقد ظهر لقب صلاح الدين على هذا الدينار، هكذا: (سلطان الإسلام والمسلمين). وقد اكتشفت دراهم أيوبية وأنصاف دراهم من ضرب غزة، تحمل تاريخي 624 ؟ 625 ه. وكان الأيوبيون مقلّين في ضرب النقود في مدن فلسطين، لأنهم كانوا يعتبرون دمشق عاصمة فلسطين بصفتها جزءاً من بلاد الشام، وكانوا يضربون الكثير من نقودهم الفضية فيها.
الفلس القديم
الفلس المضروب في إيلياء بفلسطين من أقدم النقود المعدنية المضروبة في العهود الإسلامية.. وعلى وجه النقد صورة أمير المؤمنين وهو واقف وبيده الصولجان وإلى جهة اليسار كلمة محمد(ص) وإلى اليمين (رسول الله) وعلى ظهر النقد حرف ح يعلوه هلال وإلى اليمين كلمة (فلسطين) وإلى اليسار (إيلياء).
علم النقود
إن ميزة علم النقود أنه أكد لنا كثيراً من المعلومات التي وردت في كتب المؤرخين وصحّح بعضها أو قدّم لنا معلومات عجزت كتب التاريخ عن ذكرها أو حفظها أو تفسيرها أو تبريرها. كل ذلك يجعل النقود الأثرية أفضل ناطق يتحدّث عن حقيقة تاريخ فلسطين عبر العصور التاريخية، فقد زوّدتنا بصور كثيرة من روائع الفن، من معابد وتماثيل آلهة الميثولوجيا وصور شخصية للقادة والحكام والزعماء والملوك والأباطرة والإمبراطورات، كما زوّدتنا بنماذج من الخطوط المختلفة (كنعانية ويونانية ولاتينية وعربية وغيرها) تعتبر من أهم الوثائق المفيدة في دراسة تاريخ الخطوط وتطوّرها.
المرحلة التركية
رغم أن الأتراك حكموا فلسطين، أكثر من 400 سنة، فإنهم لم يضربوا نقوداً في فلسطين، لكنهم صنعوا أوسمة تحمل (طغراء) باسم السلطان عبد الحميد وتحمل اسم قلعة عكا وعليها صورة ترمز إلى تلك القلعة، وكانت الأوسمة من الذهب والفضة والبرونز.
إصلاحات المأمون
أجرى الخليفة العباسي المأمون إصلاحات في عام 216 هـ في قبة الصخرة ببيت المقدس، وصدر نقد هام جدّاً في عام 97 ه، ضرب في القدس، وفي السنة ذاتها أصدر نقداً في كل من الرملة وغزة وعكا.
فيصل خرتش


