أن تصغي للآخرين يعني أن تستجمع كل حواسك في نقطة واحدة هي مزيج من التأمل اللحظي والانتباه والتركيز والحوار الصامت أيضاً. فبؤرة الصمت تكتنز في عمقها غير المرئي النطق المؤجل إلى حين قصير وهو يتجاذب المعرفة مع الآخرين.
ثقافة الإصغاء عالم شديد الخصوصية، نعيشه بالفطرة والتربية الاجتماعية والسلوك اليومي المعتاد لنا، قوامه التأمل والصبر واستجماع الذاكرة والتهيؤ لاستقبال الأفكار واستحضار الأفكار البديلة والدخول إلى عوالم متشابكة من الأسئلة والأجوبة.. تشترك فيه الحواس كلها حسب الصفة الاجتماعية أو الرسمية للحديث والمحادثة وأهميتهما بالنسبة للشخص المصغي الذي عليه القيام بواجب الإصغاء والإنصات. وقد اشترك علماء النفس والاجتماع في تأطير هذا السلوك الاجتماعي بدراسات ومباحث كثيرة بوصفه فناً حضارياً وسلوكاً اجتماعياً يرقى إلى تأسيس حوار متقدم باتجاه تشكيل أسس حضارية وثقافية تقوم على الاحترام والاستماع إلى وجهات النظر بين أطراف المحاورة.
حساسية الإصغاء: أن تكون مصغياً يعني أن تكون صامتاً، لا بمعنى الصمت المطبق إنما بمعنى الاسترسال في استقبال المعلومات وهضمها بسرعة فائقة تمهيداً لمجاراتها أو الرد عليها، فالإصغاء هو تأمل كلام الآخر وعدم مقاطعته لحين إكمال إرساله النفسي والمعرفي للمتلقي، وهذا الأخير ينبغي أن تتوفر فيه شروط الإصغاء والاستماع وهي شروط غاية في الدقة اجتهد المختصون في إيجادها عبر تجارب مختلفة وانتباهات اجتماعية متكررة كعدم المقاطعة دون سبب وجيه بما يُفقد إرساليات المتحدث. واحترام الآخر المتحدث بهز الرأس أو بالتشجيع على مواصلة الكلام بإشارة اليد، وتصفية الحواس كلها من أية شائبة طارئة تقتنص لحظة الإصغاء فتشتت الانتباه، والتركيز الكبير على فهم الإرسال تمهيداً لاستيعابه وقراءة الآخر بما يضمن سلامة الإجراءات الحوارية القادمة.
لاسيما والمطلوب هنا من المصغي أن ينمّي حساسيته وفطرته وذكاءه في استقراء الأفكار الباطنية للشخص المرسِل، وقراءة المخفي ما بين الكلمات، فقد يكون المتحدث صارماً بقواعده اللفظية واستعاراته المجازية وما يحفظه من حِكَمٍ وأمثال وأشعارٍ وأقوالٍ لغيره تعينه على إيصال فكرته بالشكل الذي يريده لا كما يريده المستقبِلون. لذا فحساسية الإصغاء ستكون أهم من حساسية الكلام والثرثرة، وثقافة الاستماع أكثر فاعلية من ثقافة المحكي من الكلام، وطرفا الصمت والكلام هما طرفان في التبادل الثقافي والمعرفي والإنساني والاجتماعي نظراً لما يوفرانه من متعة حضارية في التفاهم اليومي لحل المعضلات التي تواجههما.
الإصغاء استقبال حي
هذا من باب إيجاز الأثر الثقافي والجمالي في فن الإصغاء وثقافته العامة بين الناس؛ أما من باب التطبيق العملي في الحياة اليومية فهناك الكثير من الشواهد التي يمكن الوقوف أمامها لمعاينتها والتدقيق في أثرها الاجتماعي بين المتحاورين في معادلة الكلام والإصغاء.
فالكلام بث حي والإصغاء استقبال حي. وتختلف المعادلة بين النساء والرجال وتتحدد بجملة عوامل منها الوعي والثقافة والاستعداد الفطري والفهم المشترك لأهمية الإصغاء أو الكلام، فالمرأة إن كانت تميل إلى الثرثرة في أغلب أوقاتها ستؤشر إلى خلل في شخصيتها وستقلل من حضورها الاجتماعي وفاعليتها الأنثوية بين الآخرين من النساء والرجال، وإن كانت تميل إلى الصمت الدائم وتظل فقط مستقبِلة لأفكار الآخرين فهذا يؤشر إلى أن ثمة شعوراً بالنقص يخلخل شخصيتها ولن تكون مؤثرة في محيطها العام، ولكن بين الصمت والإصغاء فارقة مهمة.
فالصمت هو هروب من مواجهة الكثير من الحقائق أو هو كشف لا واعٍ لدواخل المرء الصامت لقلة حيلته المعرفية والثقافية، مما يولّد انكفاء هو أشبه بالهروب من الواقع، أما بلاغة الإصغاء فتختلف عن الصمت أو السكوت الذي نسميه ذهباً في مثلنا القائل (إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب) وهذا السكوت هو سكوت الهروب وقلة المعرفة.
وحتى المقولة الفلسفية (فن الصمت أصعب من علم الكلام) هي تعبير عمّا يوازي المعنى الذي نقصده في ثقافة الإصغاء وفنه وليس الصمت الدائم الذي يوحي بالجهالة ويولّد الإحباط لدى الآخر(المرسِل) فالإصغاء البليغ يولّد رد فعل بالنتيجة، أي سيقوّي من فاعلية المصغي وهو يستوعب محدثه ليتفاعل معه بالرأي الآخر أو بالاتفاق إذا تطابقت وجهات النظر، وحتى في هذه الصيغة الاتفاقية لابد للمصغي أن يستعرض شيئاً من معرفته وثقافته في موضوع الاتفاق ليلم الطرفان بأهمية ما يطرحانه ويشرعان وجوده في الظاهرة الاجتماعية اليومية.
فطرة الإصغاء
ثقافة الإصغاء فن ليس حديثاً، جاء من الفطرة الأولى واستمر إلى عصر الحداثة الاجتماعية؛ فإذا كان الإنسان مجبولاً بفطرته على الكلام لأغراض التواصل الاجتماعي والمعرفي والنفسي، فإنه مجبول أيضاً بذات الفطرة على الإصغاء والتعلم واستقطاب المعرفة من الآخر والنزوع إلى تفاهمات حياتية مطلوبة.
والإصغاء عادة ما يرتبط بالمجتمعات الحضارية ذات المجتمعات المتخلقة من إرث فلسفي وتاريخي وتراثي عميق، فهي القادرة على ترتيب حاضنتها الاجتماعية بما يستجده العصر من أفكار وطروحات مختلفة، وكلما تطورت الحياة بمناحيها العديدة تبقى التفاصيل الاجتماعية أكثر قدرة على الصمود والثبات بوجه التحضر التكنولوجي وأخلاقياته المترادفة كل يوم كي لا تفقد قيمها ومثالياتها التي اكتنزتها وعبّرت أجيالها المتعاقبة عنها بشكل مستمر.
وهنا يمكن أن نحيل ثقافة الإصغاء لدى الناس إلى اتجاهين:
الأول : الإصغاء إلى الآخرين.
الثاني : الإصغاء إلى الذات.
لا يتم الاتجاه الأول بشكله الجمالي الحضاري ما لم يتأسس الاتجاه الثاني على فاعلية ثقافية مرنة ومهارة اجتماعية مكتسبة من المحيط الاجتماعي، فالإصغاء إلى الآخر إصغاء إلى النفس أولاً عندما لا يشوبها ما يعكّر استرسالها في استقبال الآخر وأفكاره، والعكس سيجعل من الاستقبال متلكئاً في ذهنٍ شارد ومشتت يصعب التركيز فيه.
ففهم الذات والتواصل معها وتنقيتها مما يقطع عليها شكوكها من أولويات ثقافة الإصغاء والمصغي رجلاً كان أم امرأة يتوجب أن يكون في لحظة الإصغاء ممتثلاً لسلطة الاستقبال المتوقدة لديه، وفهم الذات هو فهم الآخر وبالتالي فهم الآخرين كمجموع، وهذا مثال افتراضي مع إنه حقيقي وأننا ندرك صعوبة أن نفهم ذواتنا وأن نصغي لها بتعبير العالِم أريك فروم (إصغاء المرء إلى نفسه شديد الصعوبة) فإنسان العصر الحديث مصاب بأكثر من رُهاب مما أنتجته وسائل الاتصال الحديثة من سرعة في العلاقات وما خلّفته معطيات العولمة على المحيطات الاجتماعية عامة وما تركته الحروب من أذى نفسي على الجمع العام.
لذا فالإنفراد بالذات غاية صعبة بل ومخيفة أيضاً، لكننا ندعو إلى تصفية أجواء النفس والذات من متعلقاتها في حالة الإصغاء المباشر والخروج من عزلتها إلى لقاء الآخر في الضفة الثانية من المجتمع لترتيب أولويات الانسجام الاجتماعي في سبيل إقصاء القدر الأكبر من الخوف الذاتي تمهيداً لعقد صلة أولية ستنجح في فهم المجتمع لاحقاً لأنها منطلقة من إحساس يرغب في تكوين أثر إنساني جديد قوامه معرفة الآخر وفهمه في استقبال نفسي معرفي ناجح.
مشاكل عدم الإصغاء
ثمة مشاكل في الحياة الآسرية سببها عدم الإصغاء!
في المجتمعات الذكورية يبقى صوت المرأة حبيس نفسها. إلا من صوت الرجل الذي عادة لا يصغي إلى (الآخر) في المجتمع الأسري ، فالثقافة الذكورية ثقافة مستلِبَة لحق الآخر الذي لا يريد غير الاتصال السليم والإصغاء الإنساني لمتطلباته الأخلاقية والاجتماعية بشكلها الطبيعي، هذه الثقافة وبحسب إحصاءات مختلفة تسببت بالكثير من المشاكل والإشكالات الأسرية ليس أقلها الطلاق بين الأزواج، أو تفاقم التوترات النفسية بين طرفي العلاقة وما تسببه من منغصات تنعكس على الأبناء.
في حين أن حسن الإصغاء بين الأزواج ومبادلة الأفكار أولاً بأول يحقق توازناً أسرياً عالي المستوى، ينتج عنه حسن توافق وحلول إيجابية وعملية على مدار السنوات. ويحدد الباحثون والأخصائيون أسباباً مختلفة لعدم فهم ثقافة الإصغاء من قبل الزوج أو الزوجة وما ينجم عنها من سلوكيات غير ناضجة تحطم البناء السري كاملاً.
فما عدا المجتمع الذكوري وآلياته القبلية والعشائرية في سطوته على المرأة هناك العادات المكتسبة منذ الصغر في أجواء بيتية تختلف عن أجواء الأسرة الجديدة، وهناك ثقافة الاعتزاز بالنفس أو النرجسية الذاتية التي تكبّل كل طرف وتمنعه من الإصغاء للآخر. هناك العلاقات الجانبية ـ العاطفية ـ مثلاً والتي تقضي على ثقافة الإصغاء قضاء تاماً وهناك العناد الذي يدخل في باب النرجسية الشخصية وهناك الملل والرتابة في الحياة الزوجية التي تجعل الإصغاء مستحيلاً. هناك غياب المبادرات الفردية بين الزوجين مما يولّد علاقة نافرة بينهما ويجعل من الإصغاء حالة مستحيلة بسبب الأنانية المستفحلة بينهما.
الإصغاء الشعري
ينجح الشاعر في كسب إصغاء الحاضرين في القاعة لسماع شعره، بينما يفشل الناثر في ذلك ! فمهارة الإلقاء عند الشاعر وصوته الصادح كافيان لشد جمهور نوعي أو عام في بؤرة قصيدته، بينما لا يستطيع الناثر والمحاضر أن يتجلى كثيراً لشد انتباه الجمهور وكسب إصغائهم مهما برع في استخدام لغته ومهما تبسط فيها للعامة من الناس.
الشاعر يخاطب العاطفة والناثر يخاطب العقل. في تجليات الشاعر المثيرة ينسى الجمهور ما تختزنه الذاكرة من متاعب واشتباكات اجتماعية مختلفة فيتجلى هو الآخر مع الشاعر مصغياً بالحواس كلها، لكن الناثر غالباً ما يكون كسولاً وثقيل الظل بسبب خطابه العقلي الموصوف بالعلمية والبحث والتنقيب، مما يجعل الإصغاء الكلي معه أمراً مستحيلاً. الشاعر يضرب في البؤرة العاطفية وفي مركز الأعصاب ليمسح ولو للحظات ما علق بها من شوائب ليبقى صوته وحده في المتن العصبي، بينما الناثر يثير الإحباط في سعيه لإقناع الحاضرين بجدوى ما يقدمه لهم، فيصبح عنصراً ضاغطاً على المتن العصبي.
قياس القدرة على الإصغاء
أجريت دراسة في الولايات المتحدة الأميركية تناولت الاتصالات الشخصية لثمانية وستين شخصا في مختلف الأعمال تبين أن 75 % من مواضيع النهار تتم بالاتصال الشفهي بمعدل 30 % للحديث و45 % للإصغاء أو الاستماع.
وأجرى الدكتور رالف نيكلز وليونارد ستيفنز الأستاذان في جامعة مينيسوتا الأميركية طوال سنتين دراسة وقياس القدرة على الإصغاء لدى الآلاف من الطلاب، كما أجريا بعد ذلك دراسة تلك القدرات لدى العشرات من العاملين في حقل التجارة والمهن الحرة، فكان الشخص المتوسط هو (نصف مصغ) حتى عندما يحاول فإنه لا يحفظ إلا حوالي 50% مما يسمعه مباشرة بعد سماعه وعملية الإصغاء تتطلب أن تقوم بأكثر من ترك موجات الصوت تدخل أذنيك، تماما كعملية القراءة التي تتطلب أكثر من النظر إلى الأسطر المطبوعة.
فالإصغاء الحسن يتطلب الاشتراك الإيجابي، إلا أن هناك عقبات كثيرة تعترض هذا السبيل، منها أننا نفكر بسرعة أكثر مما نتحدث، فنسبة الحديث لدى معظمنا هي حوالي (125) كلمة في الدقيقة في حين أننا نفكر بمعدل أربعة أضعاف هذه السرعة، مما يعني أنه في كل دقيقة يتحدث المرء إلينا فيها ينبغي لنا طبيعيا أن نضع جانبا فترة تفكير تتسع لنحو600 كلمة.
الصمت فن الاصغاء
أن تكون مصغياً يعني أن تكون صامتاً، لا بمعنى الصمت المطبق إنما بمعنى الاسترسال في استقبال المعلومات وهضمها بسرعة فائقة تمهيداً لمجاراتها أو الرد عليها، فالإصغاء هو تأمل كلام الآخر وعدم مقاطعته لحين إكمال إرساله النفسي والمعرفي للمتلقي، وهذا الأخير ينبغي أن تتوفر فيه شروط الإصغاء والاستماع وهي شروط غاية في الدقة
125 كلمة في الدقيقة
هناك عقبات كثيرة تعترض هذا السبيل، منها أننا نفكر بسرعة أكثر مما نتحدث، فنسبة الحديث لدى معظمنا هي حوالي (125) كلمة في الدقيقة في حين أننا نفكر بمعدل أربعة أضعاف هذه السرعة، مما يعني أنه في كل دقيقة يتحدث المرء إلينا فيها ينبغي لنا طبيعيا أن نضع جانبا فترة
وصاياللإصغاء المثالي
وضع أحد خبراء الاتصال عشر وصايا للإصغاء وهي:
1- توقف عن الكلام.
2- اجعل المتحدث يشعر بالارتياح
3- تخلص مما يشتت الانتباه
4- تعاطف مع المتحدث
5- اجعل المتحدث يحس أنك تريد الإصغاء.
6- كن صبوراً
7- حافظ على اتزان مزاجك
8- لا تتعثر عند المواقف التي تثير الجدل والنقد
9- اطرح أسئلة للمتحدث في نهاية الحديث
10- قاوم رغبتك في الكلام والمقاطعة
وارد بدر السالم



