عندما جاء محمود درويش إلى دبي في العام 2004 لاستلام جائزة العويس للانجاز الثقافي والعلمي، طارده الصحافيون لإجراء مقابلة أو الحصول على تصريح، كان الشاعر في أوج شهرته وتأججه الإبداعي، وقد رفض يومها أي حوار أو تصريح متعللاً بضيق الوقت «العويس مش تاركين لنا وقت» مشيرا بإصبعه نحوي «اسألوا بلدياتي» لتشابه الكنية.

مع وصول محمود درويش إلى فندق البستان روتانا بدبي طلب من إدارة الفندق عدم تحويل أي مكالمة إلى جناحه، ولطالما اكتفى باحتساء قهوته وتناول إفطاره بعيدا عن الآخرين، حيث أمضى أيامه الأربعة في دبي بصحبة كتب كانت تصله عن طريق مكتب الاستقبال لأدباء وشعراء مدونا على حواشيها ملاحظات، ولم ينس أن يقول عبارة مجاملة لشاعر أهداه كتاباً.

كان المصورون أكثر حظا من زملائهم المحررين، الصورة لا تحتاج إلى موافقة، إنها لحظة مسروقة من الزمن، ومحمود درويش كان يعرف أن الصورة تظهر كثيرا من اعتداده بنفسه، ولان قامته النحيلة اعتادت الصورة لم تؤرقه العدسات والأضواء، وكثيرا ما كان يعطي للمصور وقتا لاختيار اللحظة المناسبة لإيقاف الزمن، لذلك كانت صور محمود درويش في ذاكرة الكاميرا تقارب القصيدة في ذاكرة القارئ.

مساء كانت أمسية محمود درويش في قاعة الراشدية العملاقة، خارج القاعة كان الازدحام شديدا، وفي الطرقات المؤدية إلى الفندق حدث اختناق مروري أعاق وصول المئات، ولكن المغامرة تستحق المشقة، كان الآلاف يغرقون في الحلم ويحلقون مع الشعر نحو ما هو كوني وإنساني، وكثيرون تساءلوا أين شاعر «سجل أنا عربي»؟ بينما أدرك غيرهم قيمة التحول الذي طرأ على شعره نحو آفاق أبعد وأكثر انفتاحا على الحياة بكل أطيافها.

في طريق العودة من غداء في الهواء الطلق على شاطئ فندق كمبنسكي عجمان، قلت لمحمود درويش الصحافيون يريدون اللقاء بك، أقترح ان تعقد مؤتمرا صحافيا بدلا من اللقاءات الفردية ، هل أرتب المسألة؟.

قال بعد برهة تفكير، لن تكون الأسئلة في الشعر أو الأدب أو عن جائزة العويس، أغلب الظن أنهم سيسألوني عن قضايا سياسية عامة وأخشى عدم فهم موقفي منها بشكل جيد، لذلك «بلاش المؤتمر». في الغد سافر محمود درويش إلى عمان، وظلت أصابع كثير من الزملاء تشير نحوي باتهام لأنني لم أرتب لهم مواعيد مع الشاعر الكبير دون أن تدرك حساسية الموقف والرأي.

hussain@albayan.ae