مؤلف كتاب «المنثور» هو »أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي البكري البغدادي، المعروف « بابن الجوزي» المولود في بغداد سنة 511 هجرية عاصر »ابن الجوزي« عدداً من خلفاء بني العباس، حتى أنّ الخليفة «المستضيء» كان يحضر دروسه، ويستمع إلى مواعظه ونصائحه ويكرمه.
وقد تفرّد «ابن الجوزي» بفن الوعظ، الذي لم يُسبق إليه ولا يلحق شأوه فيه. وفي طريقته وشكله، وفي فصاحته وبلاغته وعذوبته وحلاوة ترصيعه، وغوصه على المعاني البديعة. أما كتابه «المنثور» فهو من أدبيات «ابن الجوزي» في المواعظ، ويضم موعظة واحدة، ولعل مؤلفها ألقاها في الطريق إلى مكة المكرمة أو في موسم الحج.
يقول أما بعد: وفقنا الله وإياكم فإننا نستفتح المجالس بذكر الله العظيم لنطرد به العويّ الرجيم، ونخرج من زمرة الغافلين، ونهتدي إلى الصراط المستقيم. والمنهج القويم فنقول إذا ذاك: بسم الله الرحمن الرحيم، اسم عزيز، بسم الله كلمة السلامة، بسم الله كلمة الكرامة، بسم الله إذا مرّ على القلوب المريضة شفاها.
وإذا نظر إليها بعين العناية بلّغها مناها، اسم يذكر يستأنس المستوحشين، بسم الله الرحمن الرحيم أسكر العقول وأحيا القلوب. كأسات هذا الاسم دائرة، فأين القلوب الحاضرة عجباً لبقاء هذه النفوس عند دوران عهده الكؤوس، عجباً كيف تبقي الأرواح في الأشباح عند ذكر الله الفتّاح، لو أدير هذا الكأس على جبل أبي قبيس لسكر سكر قيس.
لولا استتار الحقيقة بستر لطيف عن العبّاد، لم تثبت عند ذكره الأرواح في الأجساد لمن لا تليق به الأشياء والأنداد، هذه كؤوس بسم الله تُدار من يشرب؟ هذه حداة الذكر تُغّني فأين من يطرب؟ هذه حمائم الاشتياق تنوع فأين من قبله بالفراق مجروح؟ من لم يتطبب بعرف هذا الوادي فلا طيب في هذا الناجي.
قال سهل بن عبد الله: ما من يوم إلا والجليل سبحانه ينادي: ما أنصفني عبدي أذكرك وتنساني، وأدعوك إليّ فتذهب عنّي إلى غيري، وأذهب عنك البلايا وأنت معتكف على الخطايا، يا ابن آدم اعتذارك إلي إذا ما جئتني، أوحى الله ـ عز وجل ـ إلى داود عليه السلام: قل لشبّان بني اسرائيل، لم تشغلون نفوسكم بغيري، وأنا مشتاق إليكم؟
ما هذا الجفا، لو يعلم المدبرون عنّي كيف انتظاري لهم وشوقي إليهم ماتوا شوقاً إليّ وانقطعت أوصالهم من محبتي، هذه إرادتي في المدبر عني، فكيف إرادتي في المدبرين علي. وهكذا يستمر الوعظ بلغة عالية قلّ ما نجدها.
