يروي باتريك فيرا في هذا الكتاب سيرة حياته. إنها قصة نجاح أحد أطفال حي فقير في داكار عاصمة السنغال. وقبل كل شيء تجربة إنسانية تستحق الكتابة وبالتالي تستحق القراءة. ولعلّ المقطع التالي يؤشر بشكل جيد على دلالات هذه التجربة. نقرأ مما كتبه باتريك فيرا: لقد غادرت السنغال عندما كان عمري 7 سنوات.
ولم احتفظ إلا بقليل من الذكريات من حي سيكاب في داكار الذي ترعرعت فيه وحتى عودتي إليه عام 2003 من أجل مشروع ديامبار، وهو مشروع رياضي تعليمي فريد من نوعه في إفريقيا. لقد وجدت نفسي أمام المنزل الذي أمضيت فيه طفولتي. هناك فاجأني تفصيل صغير، بل صعقني. ذلك أن باب المرآب ؟ الكاراج- الذي كنّا نستخدمه بدلا من مرمى للتسديد عليه بالكرة كان لا يزال يحمل الرقم 7 الذي كان مكتوبا عليه قبل مغادرتي. لقد بقي تماما على حاله كما كان. هكذا عشت من جديد اللحظات التي رأت ولادة حبي ؟ أو وسواسي- لكرة القدم. كل شيء كان قد قد بدأ هناك. أمام ذلك الباب الذي يحمل الرقم 7 .
مجرّد تفصيل لكنه يختزل بنفس الوقت حكاية طويلة، رأى باتريك فيرا أن يبدأها بفصل يحمل عنوان يوفنتوس، نقلة فعلية وتقول الجملة الأولى فيه: أنا متأكد أن الآخرين لن يصدقوني، ولكنني كنت من بين أواخر الذين عرفوا أن نادي يوفنتوس يبحث عن جعلي بين لاعبيه . كان ذلك في صيف عام 2005، كان موسم بطولة انجلترا قد انتهى، وكان «فيرا» يلعب مع نادي «ارسنال» ومدربه الفرنسي الشهير ارسين وينغر .
وتحققت الإشاعة كي ينتقل باتريك فيرا إلى نادي يوفنتوس الإيطالي، وكان برفقته فيه آنذاك لاعبان فرنسيان آخران هما ليليان تورام و»دافيد تريزيغيه . وكان ميشيل بلاتيني، اللاعب الفرنسي الشهير السابق، قد أمضى سنوات في نفس هذا النادي.
وبعد هذه الخطوة في الحديث عن فترة المجد يعود فيرا إلى الحديث عن بلده الأصلي السنغال، وإنما عبر مشروع ديامبار . ولفظة ديامبار تعني في لغة اولوف التي تتحدثها أكثرية السنغاليين، تعني المحارب والمشروع كان وراءه في الأصل لاعبون سابقون بكرة القدم من بينهم برنار لاما حارس مرمى الفريق الوطني الفرنسي لكرة القدم سابقا.
لقد أرادوا بناء نوع من الأكاديمية لكرة القدم إنما تقوم بنفس الوقت بالتعليم، بمعناه الأشمل. واختاروا أن تكون في السنغال ذلك أنها كانت البلاد الأكثر استقرارا سياسيا على صعيد القارة الإفريقية ، كما يقول باتريك فيرا.
هكذا كانت عودته الأولى إلى السنغال عام 2003 بعد أن كان قد غادرها طفلا. يقول عن فكرة العودة تلك: لقد أدركت أنه مع حصولي على الجنسية الفرنسية، لا يزال جزءا مني متجذرا بقوة في البلاد التي شهدت ولادتي.
عندها أردت حقيقة القيام بذلك السفر، لكن رؤيتي للسنغال كانت شيئا، وماذا بإمكاني أن أقدّم له شيئا آخر. هكذا بدأ مشروع ديامبار ذا أهمية استثنائية بالنسبة لي، إنه الفرصة المطلوبة . الحنين إذن إلى الماضي وإنما بنفس الوقت التفكير ب«المستقبل» .
الشيء الوحيد الذي يؤكد باتريك فيرا أنه أنقذه من الإحساس بـ «الخجل» أمام منظر تلك الأعداد الكبيرة من الأطفال الذين يتسولون في الشوارع، هو أنه يعود بـ «يده شيئا» إنه مشروع «ديامبار». نقرأ: أتذكر تلك الصدمة التي عانيت منها عند رؤية عدد من الأطفال يتسولون في شوارع داكار، وكانوا لا يملكون سوى ما يغطي جسدهم أو ما ينتعلونه .
إن فيرا، وعلى مدى عدة صفحات، يكتب بقدر عالٍ من الشفافية عمّا يعبّر عنه بالقول: إن العودة إلى بلاد الطفولة تشكل امتحانا حقيقيا . إنه يبرهن على أن لاعبي كرة القدم لا يملكون أقداما فقط وإنما عندهم أيضاً «قلوب» بل ورؤوس.
إحدى شعارات مشروع ديامبار يقول: ينبغي تكوين أبطال في ميدان كرة القدم ولكن في الحياة أيضا . وشعار آخر: تعليم حامل المياه أن يحمل كذلك الأحلام . ومن خلال هذه الشعارات يصل باتريك فيرا إلى القول: إن كرة القدم ليست حجة ولا هدفا بحد ذاتها.
إنها المفتاح الذي يسمح بالبناء. ومشروع ديامبار يحتل مكانا كبيرا في حياتي. إنه جزء مني، فهو يمثل الروابط التي احتفظ بها من السنغال ولن يستطيع شيء أن يحطّم هذه الروابط . ويحكي باتريك فيرا في الفصول التالية عن طفولته حيث نعرف أنه لم يعرف أباه أبدا إذ انفصل أهله حيث كان لا يزال طفلا صغيرا.
ونعرف أنه عاش حياة الفقر، وكان ذلك وراء الهجرة إلى فرنسا طلبا لتحسين المعيشة . ومن لعب كرة القدم في الشوارع والساحات لعب باتريك فيرا مع نادي مدينة «كان» بجنوب فرنسا حيث تم اختياره للمرة الأولى للعب في بطولة لفئة ما دون ال21 سنة.
كان المدرب هو جان فرانسوا جودار الذي درّب لفترة فيما بعد الفريق الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة ويدرّب حاليا فريق مالي الوطني. وكانت الخطوات الأولى باتجاه قمة هرم لاعبي كرة القدم في فرنسا وأوروبا هي في إطار نادي ارسنال البريطاني، وهناك اخترع الجمهور أغنية مكرّسة له جاء فيها:
فيرا، فيرا
جاء من السنغال
كي يلعب في ارسنال .
الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب مكرّسة لشهادات من بينها شهادة اللاعب ليليان تورام وشهادة والدة فيرا.
اللاعب في سطور
باتريك فيرا، مؤلف هذا الكتاب، هو أحد نجوم كرة القدم الفرنسيين خلال السنوات الأخيرة و كابتن الفريق الوطني الفرنسي لسنوات عديدة متتالية. حاز الفريق الفرنسي لكرة القدم معه على بطولة العالم وبطولة أوروبا. كان قد لعب مع العديد من الأندية الأوروبية مثل ميلان آ.سي. و يوفنتوس و انتر دو ميلان الإيطالية وكان أحد اللاعبين البارزين في نادي ارسنال البريطاني.
الكتاب: باتريك فيرا لا يتراجع أبدا
تأليف: باتريك فيرا
الناشر: ميشيل لافون باريس 2008
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
Patrick Vieira, ne renonce jamais
Patrick Vieira
Michel Lafon - Paris 2008
P.240

