«التاريخ العجيب للخضار »، موضوع هذه السطور ليس كتاباً في الطبخ، كما يمكن أن يتبادر للذهن. ولكنه أولاً، وأساساً، كتاب في الثقافة والتاريخ وحضارات الشعوب والذي كتب مقدمته هو أحد أهم فلاسفة فرنسا المعاصرين ميشيل اونفراي.
بل جرى تأليفه بناءً على طلبه ومعروف عنه أنه مؤسس الجامعة الشعبية للتذوّق التي جعل مقرّها في بلدته الأصلية وينتمي لها العشرات من الذين يريدون اكتساب صفة الذوّاقة ، وتحظى هذه، الجامعة، بمصداقية حقيقية على المستوى الوطني الفرنسي العام في ميدان اختصاصها. يقول ميشيل اونفراي في تقديمه لهذا الكتاب ان هدفه هو: إظهار أن الخضار تمتلك هالة رمزية أوسع وأشمل من مجرد قيمتها الغذائية وما تحتوي عليه من حريرات أو من قيمتها التجارية. والتعرّض لهذه المغامرة يعني الدخول إلى التاريخ الكوني الشامل ـ اليونيفرسال ـ عبر بوّابة حقل زراعة الخضار. ومن المعروف أن المفكر والعالم في مجال دراسة الحضارات وأنماط تطوّر السلوك الإنساني كلود ليفي ستروس، مؤسس البنيوية الذي لا يزال حياً من جيل الكبار حيث يقارب عمره المئة عام، كان قد أولى اهتماماً كبيراً لدراسة فعل طبخ الخضار على أساس أنه فعل ثقافي عميق كان له أثر جوهري في تقدّم الحضارة الإنسانية.
ذلك أنه أثبت تدخّل البشر في منظور تغيير المحيط الذي يعيشون فيه. وتنقل المؤلفة عنه قوله: المطبخ مكان جيّد للأكل ولكن للتفكير أيضا . إن المؤلفة تقدّم في هذا الكتاب عملية توصيف وتتبع المسارات التي عرفتها أنواع كثيرة من الخضار في حركتها وانتقالها من ثقافة إلى أخرى للدلالة على الدورة الحضارية التي عرفتها.
هكذا مثلاً استطاع الباحثون أن يحددوا بقدر كبير من الدقّة التطور الذي عرفته بعض الحضارات من خلال تتبع الدخول اللغوي للفظة الذرة في لغات الشعوب المعنيّة. الخضار، مثل البشر، عرفت سيرة حياة وكانت لها مغامراتها، هذا ما تؤكده مؤلفة الكتاب وتحاول البرهان عليه.
وهي لا تهتم فقط بأنواع الخضار ذات المكانة المرموقة في الأسواق والمطابخ ولكنها تولي اهتمامها أيضاَ بتلك الأنواع المغمورة التي كان لها تاريخها المجيد أو التي تلقى الرواج فقط لدى الشعوب الهامشية .
بهذا المعنى تتحدّث المؤلفة عن أنواع خضار مثل الخرشف ـ الأرضي شوكي ـ الذي فقد بعض مكانته الآن بينما كانت له قيمة كبيرة في فترة عصر النهضة بسبب فضائله كمنشّط عام والذي كان عزيزاً جداً على قلب سيغموند فرويد، العالم النفساني الشهير، ولكنها تتعرّض أيضاً لسيرة حياة أنواع منسية إلى حد كبير من قاموس الخضار مثل القلقاس الرومي ـ من فصيلة البقول ـ الذي جرى اكتشافه لدى الهنود الذين يعيشون في كندا.
وتحدد المؤلفة أحد أهدافها المرجوّة من خلال إنجاز هذا العمل في تعليمنا تذوّق الخضار ونحن على دراية كاملة بأن الأمر ليس مجرّد عملية بيولوجية وإنما هو أعمق من هذا بكثير إذ أن أكل واحدة من هذا النوع من الخضار أو ذاك إنما يعني تمثّل جزء من تاريخ العالم .
هذا فضلاً عمّا قد يحمله ذلك من ذكريات شخصية فـ «الطعم» و«الرائحة» يشكلان جزءاً من التاريخ الشخصي للبشر. وتشير المؤلفة إلى أن طعم خضرة ما قد يعيدنا مباشرة إلى سنوات بعيدة أو ربما إلى أمكنة بعيدة كانت قد احتضنتنا ذات يوم. إنها استعادة طعم ومذاق زمن الطفولة البريئة الذي يُجهل فيه أن المرء سوف يموت ذات يوم وحيث تكون كل لحظة مناسبة لوجبة ربيعية ، كما يقول ميشيل اونفراي في مقدّمته للكتاب.
وتشرح المؤلفة على مدى العديد من الصفحات واقع أن الخضار لا تزال، وكما كانت في السابق، مهمّشة بالقياس إلى الأطعمة الأخرى مثل الفواكه واللحوم. ولهذا تشبّه الخضار بـ «الأهل الفقراء في عالم الغذاء» ، وهي تقدّم في منظور البرهان على ذلك الكثير من التعابير التي تعود مرجعيتها إلى الخضار وهي ذات مدلول سلبي وأحياناً تقارب التهكّم مثل القول عن فلان انه غبي مثل ملفوفة أو مثل لفت للتدليل على أنه ساذج أو أحمق.
مثل هذه الآراء تعيدها المؤلفة إلى مجموعة من الأحكام المسبقة التي لا تمت إلى الواقع بصلة، حسب رأيها. وهي تحاول بالمقابل أن تدفع قارئها إلى التأمل بحبّات البازلاّء ـ البسلة ـ أو الفاصولياء الموجودة في طبقه لمعرفة أنها لم تصل إلى حيث هي عبثاً .
نقرأ: إن الحديث عن الخضار يعني البحث عن أرض وعن ثقافة. ومحاولة العثور على آثار تاريخ جرى نسجه عبر اشتقاقات كلمة أو عبر مسار رحلة منتج من منطقة إلى أخرى أو من بلد إلى آخر أو من مجال رمزي إلى مجال رمزي آخر، وربما الانتقال من حقل خضار إلى قصيدة شعر ومن لوحة إلى منظر بائعة للخضار .
بكل الحالات تسمح قراءة هذا الكتاب بالتعرّف على أن خضاراً عديدة كان لها حياتها وتنقلاتها وسلّم ارتقائها . فالطماطم مثلاً التي جرى جلبها من العالم الجديد بعد اكتشاف كريستوف كولومب له كان عليها أن تناضل على مدى قرنين من الزمن كي يتم قبولها في أوروبا ولتنتشر في العالم كله لتصبح في المرتبة الثانية على صعيد استهلاك الخضار بعد البطاطس التي تحتل مكان الصدارة.
ومعلومات أخرى كثيرة حول خضار كالملفوف الذي جرت زراعته قبل سبعة آلاف سنة من الميلاد أو كالبازلاء التي سمحت صفاتها البيولوجية خاصة فيما يتعلّق بالتخصيب الذاتي بإحداث ثورة في المعارف الخاصة بعلم الوراثة ـ قوانين مندل.
وفي المحصّلة تقوم مؤلفة هذا الكتاب بتوظيف الأدب والتاريخ والجغرافيا والفن كي تثبت أن الخضار كانت منذ فجر التاريخ الإنساني تعبيراً عن اللقاء الأكثر خصوبة بين الطبيعة والثقافة . إن الأكثر تواضعاً بين الخضار يجمع في داخله مغامرة العالم كلّها ، يقول الفيلسوف ميشيل اوفراي.
المؤلفة في سطور
ايفلين بلوك ـ دانو، مؤلفة هذا الكتاب تحمل شهادة التأهيل العليا ـ الأغريغاسيون ـ في الأدب الحديث وتعمل صحافية في المجلّة الأدبية ـ ماغازين ليتيرير ـ وفي مجلة «ماري كلير». سبق للمؤلفة أن وقدّمت العديد من الكتب التي لاقى بعضها نجاحاً كبيراً على مستوى الانتشار مثل عملها عن« سيرة حياة السيدة بروست » الذي فاز بجائزة قارئات مجلّة «هي» النسائية المعروفة وبيع منه ما يزيد على ثلاثين ألف نسخة. ومن كتبها أيضاً سيرة حياة «السيدة زولا» وسيرة حياة «فلورا تريستان»...الخ.
الكتاب: التاريخ العجيب للخضار
تأليف: ايفلين بلوك دانو
الناشر: غراسيه باريس 2008
الصفحات: 182 صفحة
القطع: المتوسط
La Fabuleuse Histoire des Légumes
Evelyne Bloch , Dano
Grasset Paris 2008
P.182

