أجرى موقع «بارنز أند نوبل» الثقافي المتخصص في عروض الكتب هذه المقابلة مع الروائي الروسي أندريه ميكاين مع صدور روايته الحادية عشرة بعنوان «حب إنساني» حيث يلقي الضوء على المؤشرات الغربية في عالمه الإبداعي، والعناصر التي واكبت انتقاله من الكتابة بالروسية إلى التأليف بالفرنسية.
والسر في عشقه للعاصمة الفرنسية، باريس، كما يشير إلى ارتباطه الشديد بالقوزاق وتجربتهم في سيبيريا وارتباطهم بالحرية ورفضهم الشديد للقيود، كما يلقي الضوء على جوانب شتى من روايته الجديدة التي ترجمت إلى العديد من لغات العالم. وفيما يلي نص الحوار:
من بين العناصر العديدة التي جعلت النقاد يتوقفون طويلاً عند روايتك الحادية عشرة «حب إنساني» أنها تبتعد عن الآفاق التي طرقتها طويلاً في عالمك الروائي، والتي تدور حول الحياة في ظل الاتحاد السوفييتي قبل انهياره، حيث تدور أحداثها في إفريقيا. ما الذي جعلك ترتحل إلى القارة السمراء هذه المرة؟
على الرغم من أن أحداث روايتي الجديدة تقع في إفريقيا، إلا أنها ليست بعيدة تماماً عن الأصداء السوفييتية، فهي ترصد عقوداً من الزمان من المعاناة في القارة السمراء قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، حيث نتابع نبض الحياة في العديد من أرجائها لنكتشف عمق الاختلاف عن الرؤية الغربية للقارة، التي إما أن يغلب عليها التجاهل أو التجهيل أو يتم إضفاء طابع رومانسي عليها لا صلة له بالواقع الإفريقي من قريب أو بعيد.
وما أسعى إليه هو أن أقدم للقارئ عبر صفحات الرواية تجربة عميقة تكشف ما الذي تعنيه الحياة في القارة السمراء في أزمنة حافلة بالصراعات الدموية والمحن والخطوب. ما هي الأعمال الغربية التي تأثرت بها في صدر شبابك وكيف أثرت في رؤيتك للفن والحياة والغرب نفسه؟
هناك أعمال عديدة تندرج في هذا الإطار، لكنني أود الإشارة بصفة خاصة إلى «أنشودة رولان» و«اعترافات طفل القرن» لدى موسيه وكتابات بروست جميعها. في روايتيك «أحلام فصول صيف روسية» و«حب إنساني» هناك تقابل محوري بين اللغة الشعرية، على نحو ما تطل علينا عبر الفيلم والرواية والأغنية، وبين لغة الحقيقة.
بأي الطرق تأثرت الروايات الأخرى المعنية بمسائل اللغة مثل روايات جوجول بمفهومك عن اللغة؟ تأثرت في مفهومي للغة بجوجول، وخاصة بالجانب الشعري من أعماله، كذلك تأثرت بمجمل أعمال إيفان بونين.
يبرز القوزاق كثيراً في أعمالك. وهم يشكلون نموذجاً للتحليق عالياً، وعادة ما يشكلون وجوداً عند التخوم. هل يمكنك أن تحدثنا عن الدور الفريد الذي قام به القوزاق في التاريخ الروسي وأهميتهم بالنسبة لرسم شخصيات شرقي سيبيريا البعيد؟
بالنسبة لي، فإن القوزاق يمثلون، أو يرمزون، الحرية وغياب القيود، وبصورة حرفية غياب التخوم. وفي مفارقة للغزو الأوروبي للقارة الأميركية، الذي قضى بصورة جوهرية على سكان أميركا الأصليين واستأصل شأفتهم، فإن القوزاق دخلوا سيبيريا بلا سفك للدماء وذلك عن طريق إدماج أنفسهم في السكان المحليين.
كيف وصلت إلى اختيار جان بول بلموندو كشخصية غربية تبرز في رواياتك؟
يرجع ذلك، في أحد جوانبه، إلى المصادفة، ولكنه يرجع كذلك إلى أن أفلام بلموندو كانت تعرض على نطاق واسع في روسيا. وعندما كنت في سنوات النشأة كانت جميع الأفلام الروسية تحمل اتجاهات دعائية، وما كان لافتاً للنظر إلى حد بعيد بالنسبة لنا في بلوموندو هو أنه كان يبدو حراً تماماً، ويعمل فوق المستوى السياسي أو على نحو يتجاوزه. كان جذاباً تماماً ومنتمياً إلى الدنيا إلى حد بعيد ومجرداً من الطابع السياسي، وبالنسبة لنا فقد تجاوز الحرب الباردة.
إن الشخص الشرير في أول فيلم من أفلام بلموندو هو ناشر. وهو رجل شرير، يحول أكثر المواهب الإنسانية نبلاً، وهي القدرة على الحلم إلى طريدة يقتنصها . هل صادقت حظاً أفضل مع الناشرين؟
النشر عمل صعب وحافل بالمزالق، وبصفة خاصة اليوم. وأنا أدرك أن الناشرين مضطرون لتقاذف كرات التجارة والثقافة بصورة مستمرة وهم واقفون على نوع من الحبال المشدودة.وما يتعين على الكاتب أن يعلق عليه الآمال هو ناشر في كل مئة ناشر يجمع بين اللماحية والاستعداد للمخاطرة. وقد استغرق الأمر مني بعض الوقت، لكنني كنت محظوظاً.
أنت الكاتب الأخير في صف من الكتاب المتميزين ـ كونراد، بيكيت، نابوكوف وكونديرا ـ الذين خطوا بتقدير كبير عن أعمال كتبوها بلغهم الثانية. ما هي المزايا والمثالب في تأليف أعمال إبداعية بلغة غير اللغة الأم؟
عندما تنتقل من لغتك الأولى إلى لغة ثانية فإنك تصبح منفياً رغماً عن إرادتك، وهو أمر يمكن أن يكون إيجابياً. وعلى سبيل المثال فإنك تترك وراءك كل كليشيهات لغتك الأم، وعلى الصعيد اللغوي فإنك تدخل أرضاً بكراً. إنه نوع من البعث. غير أنه في بعض الأحيان يمكن أن يتعرض كاتب يؤلف أعماله بلغة ثانية للهجوم بفعل انعطافات أسلوبية أقدم عليها عن علم ومعرفة، لكن النقاد ينظرون إليها على أنها أشباح هفوات في توظيف اللغة.
في كل من روايتيك «أحلام مواسم صيف روسية» و«حب إنساني» تجتذب حكايات وصور عن باريس شباناً روساً بقوة آسرة. كيف أطلت عليك باريس في شبابك الروسي وأثرت في خيالك؟ متى كان لقاؤك الأول مع هذه المدينة وكيف تطابق الواقع مع الصورة التي كونتها عنها؟
أقبلت باريس إليَّ في شبابي من خلال الأدب وحده. بلزاك، فلوبير، ستندال وبروست. وحتى اليوم فإن لديَّ نوع من الرؤية المزدوجة لباريس، فهناك واقعها اليومي وهناك واقعها الأدبي. وكل بلد ـ كل مدينة ـ لها عناصرها الثابتة التي ترتبط بها وفي مقدمتها اللغة والأدب والعمارة، التي تشكل جوهرها.
المؤلف في سطور
* ولد الروائي الروسي أندريه ميكاين في10 سبتمبر 1957 في كراسنويارسك، ونشأ في بينزا، وهي بلدة منعزلة تقع على بعد 440 ميلاً إلى الجنوب الشرقي من موسكو، واكتسب اللغة والثقافة الفرنسيتين من جدته فرنسية المولد. وفي عام 1987 مضى إلى فرنسا كعضو في برنامج لتبادل المدرسين، ولكنه قرر البقاء في باريس، وعمل بتدريس اللغة الروسية.
* اضطر لتقديم مخطوطاته التي كتبها بالفرنسية إلى الناشرين على أنها مترجمة عن الروسية في ضوء شك الكثيرين منهم في قدرته على التأليف بالفرنسية مباشرة، وقوبلت رواياته الأولى بالرفض من معظم الناشرين، لكن روايته الرابعة «أحلام مواسم الصيف الروسية» لقيت القبول من أحد الناشرين فصدرت في عام 1995 لتكون أول رواية في التاريخ الفرنسي الأدبي الحديث تجمع بين جائزتي جونكور وميديتشي.
* صدرت له مؤخراً روايته الحادية عشرة «حب إنساني» وسبقتها رواياته ذات الشهرة المدوية وفي مقدمتها «جريمة أولجا أربلينا» الصادرة عام 1999، كما توقف النقاد طويلاً عند روايته «ذات مرة على نهر الحب» التي اختارتها مجلة «ببلشرز ويكلي» الرواية الأكثر بروزاً عام 1998.
منى مدكور
