في كتابه «التراجيدي في أساطير الشرق القديم» يتجه الباحث إلى رصد الظاهرة التراجيدية المتمثلة في اغلب نصوص الشرق القديم وملاحمه بما تحمل من قيم تعليمية وتطهيرية، وبما تكشف عن قيم فنية جسّدها مؤلفها الأول، انها محاولة غايتها فكرة أساسية هي ان مفهوم التراجيديا كان موجوداً في وعي إنسان الشرق القديم، وأنه تجلّى في الملاحم والأساطير الشرقية القديمة، متجسداً بشكل فني وجمالي، يحمل غايات ودوافع كونية وإنسانية شاملة.
يتألف الكتاب من ثلاثة فصول ومقدمة. في الفصل الأول وتحت عنوان «التراجيدي في أساطير الخلق القديم» يرى الباحث أن الصراعات في أساطير الخلق والتكوين القائمة بين آلهة النظام وآلهة الفوضى، كما أن مجمل الفكر المطروح في أساطير الخلق والتكوين قائم على تقديم إجابات لأسئلة كانت تراود ذهن الإنسان الرافديني القديم.
وذلك حين حاولت أن تقدّم له تفسيراً لماهية الحياة وكنهها. كما يجد الباحث اننا في أساطير الخلق والتكوين أمام عالم مصور، اسقط عليه الإنسان ما كان يدركه، لأنه لا يستطيع أن يتصور أن بإمكان الكون أن يوجد ويستمر، دون ذكر وأنثى، على الرغم من الإشكالية القائمة في الأساطير.
ومحورها أن الحمل الأول لم يكن نتيجة لاتصال الذكر بأنثى، وإنما عن طريق الحمل والتناسل الذاتي، فقد كان الإله (نمّو) يمثل الذكر والأنثى معاً على الرغم من انه كان كبير الآلهة أيضا، إلا ان الولادات التالية بما فيها ولادات الآلهة تمت عن طريق الاتصال الجنسي المعروف.
تبدأ نصوص أساطير الخلق والتكوين بالأسلوب السردي، وهذا الأسلوب يجعلنا وكأننا أمام حكاية تروى لنا، لذا علينا الإنصات لنستطيع فهمها والتواصل معها. انه استهلال يريد أن يبيّن لنا الحالة التي كانت عليها الآلهة قبل بداية الخلق: بينما في الأعالي (لم تكن السماء قد سميت بعد) والأرض اليابسة في الأسفل (لم يكن أطلق عليها أي اسم) وحدهما أبسو الأول (والدهم) والأم تيامت، والدتهم جميعاً (كانا معاً ؟
يمزجان مياههما)، ثم تدخل الآلهة في حوار طويل، وهي سمة من سمات أساطير الخلق والتكوين في بلاد الرافدين، هذا الحوار يدور بين أكثر من شخصية: الأم ـ الأب ـ الابن ... لكن دور الأب هو الدور الرئيسي كما إن الابن يقف إلى جانب الأب، ويوافقه على كل القرارات التي يتخذها، ولاسيما قرار إفناء المخلوقات التي تزعجه.
ينقلنا نص الأسطورة بعد ذلك إلى الحديث عن ولادة الإله (مردوخ) الذي سيناط به فيما بعد كل الأمور المتعلقة بتنظيم الكون وتدبيره وتوزيع الأدوار فيه، لأنه معد لدور كهذا كما تم وصفه في النص. إن البطل إضافة إلى كماله وجماله وجلاله يحظى بإعجاب الجد (أنو) الذي يهديه الرياح الأربع، مما يثير غضب الإلهة (تيامت) ويتفاقم غضبها حين يتلاعب أولادها بعواطفها طالبين منها أن تقوم بالقضاء على (مردوخ).
لقد كان وصف الصراع والجو المحيط به والاستعداد له أمراً تحضيرياً لنا كي ندرك قيم الجمال التي يقاتل من اجلها البطل، وهي قيم سامية في مواجهة الشر والبشاعة التي لا تترك أسلوباً أو طريقاً إلا وتتبعه، والبطل محكوم بالنصر، لا لأنه الأقوى ولا لأن الآلهة تقف معه فقط، بل لأنه يحمل أيضا المثال الجمالي والخلقي المطلوب تمثله. وعندما ينتهي الإله من تنظيم الكون تبدأ تراجيديا جديدة هي تراجيديا خلق البشر المكتوب عليهم خدمة الآلهة.
في الفصل الثاني التراجيدي في أساطير البعث والموت يتحدث الباحث عن إنسان بلاد الرافدين الذي يشاهد أمامه ظاهرة الموت والحياة وهي تتجسّد بشكل دائم في الطبيعة، ففي الصيف تموت الأرض ويحلّ الجدب فيها، وفي الربيع تعود الأرض إلى خضرتها، وقد راقب العملية بشكل كامل فحبة القمح التي كانت تدفن في التراب شتاء كان يبزغ منها عشب اخضر في الربيع.
كما أدرك إن هناك فرقاً جوهرياً بين موت الإله وموت البشر، فالآلهة بالنسبة لإنسان بلاد الرافدين تختفي ثم تعود مع الاحتفالات برأس السنة وأشهر هذه الآلهة : الإله (دموزي)، كما اعتقد إن الآلهة يمكن أن تتحول إلى حالة أخرى فتخرج بشكل آخر.
وهي ظاهرة تجسدت في الديانات اللاحقة بما يمكن أن يسمى ظاهرة التقمّص، وفرّق أيضا بين موت البشر الناتج عن ظاهرة من ظواهر القتل الجماعي كالطوفان أو الزلازل ... وبين الموت الفردي الحاصل للناس، والذي سيلاقيه يوماً ما، وهو ما دفعه إلى التفكير في ماهية الموت والحياة ومصير الإنسان ما بعد الموت. يأخذ الباحث أشهر أساطير بلاد الرافدين وهي أسطورة (إنانا و دموزي) كمثال على ذلك.
في الفصل الثالث «التراجيدي في ملاحم الشرق القديم» ينظر الباحث إلى الملاحم في أدب بلاد الرافدين على أنها تشكل قسماً مهماً من هذا الأدب، وهي تتميز عن الأساطير بصوت الإنسان الواضح فيها، ففي الملاحم تتجلى شخصية الإنسان الراغب في التعبير عن إرادته.
وأهم هذه الملاحم : «ملحمة جلجامش» تتحدث هذه الملحمة عن (جلجامش) البطل القوي الذي لم يترك بكراً لأبيها، وتنبئ ان أهل المدينة ضاقوا ذرعاً بهذا البطل القلق فبدأوا يطلبون من الآلهة ان تخلصهم منه، فتستجيب الآلهة لهم وتخلق نداً لـ (جلجامش) هو (أنكيدو).
وبعد أن تقوم بترويضه امرأة وتقوم بتهيئته كي يقابل (جلجامش) الذي علم بقرب مجيء (أنكيدو) عن طريق الحلم، ويدور صراع بين البطلين، ولسبب ما يزول غضب (جلجامش)، حيث يولِّد هذا الصراع صداقة عظيمة بين البطلين ذهبت مثلاً في النبل والوفاء والإخلاص، لم يكن (جلجامش) سعيداً في حياته فيعرض على (أنكيدو) أن يقوما بمغامرات، كأن يذهبا إلى غابة الأرز ويقتلا حارسها، فيوافق (أنكيدو) بعد مشاورة شيوخ (أوروك)، فيحققان انتصارات باهرة .
الذكر والأنثى في أساطير العالم القديم
في أساطير الخلق والتكوين أمام عالم مصور، اسقط عليه الإنسان ما كان يدركه، لأنه لا يستطيع أن يتصور ان بإمكان الكون أن يوجد ويستمر، دون ذكر وأنثى، على الرغم من الإشكالية القائمة في الأساطير، ومحورها أن الحمل الأول لم يكن نتيجة لاتصال الذكر بأنثى، وإنما عن طريق الحمل والتناسل الذاتي، فقد كان الإله (نمّو) يمثل الذكر والأنثى معاً على الرغم من انه كان كبير الآلهة أيضاً.
إلا أن الولادات التالية بما فيها ولادات الآلهة تمت عن طريق الاتصال الجنسي المعروف. وتبدأ نصوص أساطير الخلق والتكوين بالأسلوب السردي، وهذا الأسلوب يجعلنا وكأننا أمام حكاية تروى لنا، لذا علينا الإنصات لنستطيع فهمها والتواصل معها.
المؤلف في سطور
عبدالرحمن العابو مؤلف الكتاب من مواليد (1964) في سوريا، تخرّج من قسم اللغة العربية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة حلب عام (1990) وعمل مدرساً في ثانويات حلب، ثم حصل على دبلوم الدراسات السامية عام (1995) ونال درجة الماجستير من جامعة سانت كليمنت في انجلترا بالتعاون مع جامعة حلب عام (2007)، له دراسات ومقالات عديدة منشورة في الصحف والدوريات العربية.
د. وانيس باندك
الكتاب: التراجيدي في أساطير الشرق القديم
تأليف: عبد الرحمن العابو
الناشر: دار نون 4 حلب 2008
الصفحات: 159 صفحة
القطع: المتوسط
