يكتسي كتاب عبدالإله بلقزيز الجديد أهميته من ناحية خوضه في جدل الحداثة بمعناها الثقافي والفكري والسياسي، وينحاز إلى حركة الواقع ومكنوناته، وإعادة الاعتبار إلى أسئلة النهضة والتنوير في زمن شهد صعود نزعات التشدد والأصولية والشمولية، خصوصاً بعد نكسة حزيران 1967 التي أعلنت هزيمة المشروع القومي العربي.
وتتناول مادة الكتاب خطاب الحداثة منذ النشأة وإلى نهاية النصف الأول من القرن العشرين، ثم مطالعة سياقات التطور التي قطعها هذا الخطاب في النصف الثاني من القرن ذاته. ولا شك في أن اختيار هذه الفترة يرجع إلى كون الإنتاج الفكري فيها لم يكن يستند إلى مفهوم دقيق وشامل للحداثة عند من كتبوا وألفوا في مسائل المعاصرة والتقدم والتنوير، حيث لم يبدأ هذا مفهوم الحداثة في التبلور إلا في النصف الثاني من القرن العشرين.
وعليه يجري التمييز بين طورين من فكر الحداثة والاهتمام، أولهما طورها الابتدائي، وثانيهما طور النضوج الفكري الذي عرف منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين ظهور المتون الفكرية الكبرى.
ويأمل عبد الإله بلقزيز بأن يقدم كتابه مساهمة في إعادة كتابة تاريخ الحداثة في الفكر المعاصر، وإعادة الاعتبار لخطاب الحداثة الذي تعرّض لتهميش شديد من طرف بعض من تعرضوا لكتابة تاريخ الفكر العربي الحديث والمعاصر، من مواقع ثقافية توسلت بمقدمات أيديولوجية.
وقد عانت الحداثة عداءً صريحاً وقبلياً حتى من دون أن تصغي إلى خطابها أو تضعه في ميزان التقدير العلمي. ويبدأ الكتاب ببناء مقدمات عامة حول جدل الأصالة والحداثة في الفكر العربي، وحول جدلية الأنا والآخر بحسبانها جدلية تأسيسية فيه؛ ثم يقوم بدراسة تكوين فكرة الحداثة وتطورها، وبوضع حصيلتها في ميزان نقدي.
وبعدها يتناول المفاهيم الرئيسية في خطاب الحداثة كالحرية، والدستور، والعقل، والسياسة المدنية، والعلم، والتنوير وسواه، ويتفحص تجسدها في مقالات من يسميهم بالحداثيين، حيث يختار ثلاث محطات أساسية، وهي محطة أحمد لطفي السيد في »الحرية«، ومحطة الشيخ علي عبد الرازق في »الإسلام وأصول الحكم«، ومحطة طه حسين في مجمل أعماله، وخاصة كتابه »مستقبل الثقافة في مصر«.
ويعتبر عبد الإله بلقزيز أن تاريخ فكرة الحداثة هو بالذات تاريخ وعيها بنفسها كمشروع ثقافي، مع الأخذ في الحسبان أن هذه الفكرة لم تقدم نفسها تلقائياً ودائماً كمصادفة معرفية في تاريخ الفكر العربي المعاصر، أي كممارسة فكرية لا واعية أو قليلة الانتباه إلى ما تنهض به من أدوار، أو إلى ما تطرحه على نفسها من أدوار.
وإنما أدركت - منذ البدايات - أنها خطاب ثقافي جديد يقترح على الوعي العربي رؤية مختلفة للعالم والمجتمع والثقافة متمايزة عن الرؤى والتصورات السائدة. كانت تعرف أنها تحمل رؤية قد لا يتحملها المجتمع والوعي لجدتها ولمجافاتها السائد والمألوف، وأنها ستدفع ثمناً مرتفعاً لمصادمتها يقينيات راسخة في المجتمع والوعي؛ ومع ذلك، لم تتراجع عن أداء دور فرضته عليها طبائع التطور.
ربما تحايلت وداهنت أحياناً لوذاً بسلامة ذاتية من غضب التقليد وعنفه؛ وربما تراجعت عما أفصحت عنه في أحايين أخرى بعد أن تبينت لها الحدود المتواضعة لممانعتها التقليد. لكنها، في الأحوال جميعاً ما استسلمت أمام زحف التقليد ولا سلمت له بسلطانه، بل استأنفت مغامرتها الفكرية في أشكال من التعبير مختلفة ومتباينة اختلاف وتباين أشكال الهيمنة التي بدت فيها ثقافة التقليد.
ولم تختلف فكرة الحداثة من حيث المنشأ والصيرورة عن غيرها من الأفكار الكبرى التي شغلت الوعي العربي المعاصر، مثلها في ذلك مثل الأصالة والهوية والوحدة والاشتراكية وسواها، حيث بدأت فكرةً وانتهت إلى أيديولوجيا، وتلك مشكلة أزمنت في الفكر العربي منذ بواكير ميلاد الحديث.
وثمة أسباب عديدة تفسر ذلك الانتقال بفكرة الحداثة إلى أيديولوجيا، بل إلى خطاب سياسي فج أحياناً؛ وقد تكون لها علاقة بالصراع الثقافي الحادّ الذي أوجد باستمرار بيئة ملائمة لإخراج الأفكار من سياقاتها المعرفية الخاصة والزج بها في أتون الصراعات الأيديولوجية المشدودة إلى أهداف غير معرفية، وغير قابلة للإدراك إلا ضمن جدليات الصراع بين الأفكار وخلفياتها غير المعرفية التي ترمز إليها.
ويرى عبد الإله بلقزيز أن الأهم من ملاحظة ذلك الانتقال بمسألة الحداثة من صعيد الفكرة النظرية إلى صعيد الإيديولوجيا أنه فتح الباب أمام إفقار معرفي لفكرة الحداثة نفسها. إذ سريعاً ما ألفت نفسها في موقع دفاعي تراجعي: من فكرة تملك تفوقاً معرفياً على غيرها من الأفكار التي سبقتها واستمرت في الزمان، أو جايلتها وكانت لها منافسة، إلى أيديولوجيا لا جمهور لديها يحملها وينافح عنها أمام أيديولوجيات أخرى لها سلطان في الناس وجمهور من الأتباع لم يكن ممكناً لخطاب الحداثة إلا أن ينتزع لنفسه شرعيةً فيه وفي رحاب ثقافته.
لقد بدأ منذ ميلاده، قبل قرن ونصف، واعياً وعياً حاداً لمأزق تاريخي وجد فيه الاجتماع العربي نفسه، ووجدت فيه الثقافة العربية نفسها، أمام تحولات هائلة أطلقها صعود المدنية الأوروبية الحديثة وزحفها الكوني الظافر خارج حدودها الجغرافية. وبمقدار ما كان عليه أن يقترح على المجتمع والثقافة فكرة التقدم بوصفها الفكرة التأسيسية لمشروع النهضة والرد التاريخي الشامل على حالة التأخر تلك.
ويعتبر عبد الإله بلقزيز أن خطاب الحداثة عرف نكستين ثقافيتين في القرن العشرين وضعتاه في حال من التراجع والضمور والدفاع السلبي. تعود الأولى إلى عشرينات ذلك القرن، فيما تعود الثانية إلى ستيناته، حيث ارتبطت النكسة الأولى بانهيار الإمبراطورية العثمانية وسقوط الخلافة وما رافقهما من ردة رجعية ومن ميلاد لحركات الإحيائية الإسلامية.
وارتبطت الثانية بانهيار المشروع السياسي القومي والمشروع الثقافي التحرري الملازم له وبصعود حركة »الصحوة الإسلامية« المعاصرة وتجدد الخطاب الأصالي. ثم بدأت نذر تراجع فكرة الحداثة مبكراً، وبالتحديد منذ النصف الثاني من ستينات القرن العشرين وإن استمرت تعبيرات منها قويةً عقداً آخر من الزمان. وكان التراجع نفسه في امتداد تراجع عام أطلقه انكسار المشروع القومي العربي في ـ وبعد ـ حرب العام 1967، وتوجته هزيمة المعسكر الاشتراكي في المنافسة مع الغرب الرأسمالي ثم انفراطه في مطالع التسعينيات.
وكان في وسع فكرة الحداثة، غبّ جنوحها للتراجع التدريجي، أن تعيد فحص الكثير من يقينياتها التي امتحنتها عظائم الأحداث وكشفت عن تهافت الكثير منها. والحق أن مثل هذا الفحص النقدي بدأ مبكراً حين نبه عبد الله العروي إلى أن التحديث الاقتصادي والسياسي لم ترافقه ثقافة حداثة حقيقية، وأن الحداثة التي تبنتها الانتلجنسيا العربية لم تكن تطابق حاجات الواقع، أو لم تكن موضوعية؛ وأن حالة التأخر التاريخي التي تعانيها مجتمعاتنا العربية أعمق من أن تجيب عنها برامج التحديث تلك.
وهو نفسه ما أدركه ياسين حافظ حين انشغل بمسألة تخلف البنى الاجتماعية التقليدية العربية وقدرتها على توليد مقاومات ذاتية ضد مشاريع التوحيد الوطني والقومي. لكن هذه الوقفة النقدية ضاعت في صخب المكابرات والمضاربات الأيديولوجية الحداثوية.
وحينما كانت مقاليد السلطة الثقافية تعود شيئاً فشيئاً إلى قوى الإحيائية، التي خرجت من صلبها إسلامية جهادية هي أبعد ما تكون على استعداد للإصغاء إلى أي كلام خارج دائرتها- كان بعض بقايا الحداثيين في الفكر السياسي والاجتماعي يتدافعون بالمناكب لتقديم التوبة والاعتذار عن كامل ما آمنوا به سابقاً، وإهالة التراب عليه من دون ذرف دمعة فراق.
والتصالح مع غرب جديد هو الغرب الأميركي وثقافته الاستئصالية، محتسبين معارفه وحدها الأهل بالاقتداء والانتهال، بل ذاهبين إلى الدعوة الصريحة إلى التحالف معه من أجل إنقاذ الحداثة والديمقراطية من الخطر الأصولي .
صدمة الغرب
لم يكن خطاب الحداثة خطاباً برانياً مفتعلاً في الفكر العربي المعاصر. كان له ما يبرره في الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي. في مجتمع يعاني ثقل التقليد ومفاعيل التأخر الثقافي والتاريخي، مثل المجتمع العربي المذهول بصدمة الغرب منذ مطالع القرن التاسع عشر والمذهول بصدمة اكتشاف الفجوة الحضارية التي تفصله عن العالم الحديث ومحصلة التراكم والتقدم فيه.
المؤلف في سطور
الدكتور عبد الإله بلقزيز، أستاذ الفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، والباحث المهتم بالقضايا الفكرية والقومية. صدر له العديد من المؤلفات المتخصصة في شؤون الفكر السياسي والفلسفي والاجتماعي.
ألفت عبدالله
الكتاب: العرب والحداثة دراسة في مقالات الحداثيين
تأليف: عبد الإله بلقزيز
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية بيروت2007
الصفحات: 176 صفحة
القطع: المتوسط
