يتناول كتاب «تو ألفا ليما» لمؤلفه بيتر كلايتون بصورة مباشرة مسيرة وأنشطة قوة عسكرية صغيرة عملت على نطاق المنطقة التي كانت تعرف بالإمارات المتصالحة على سواحل الخليج العربي. ويضم الكتاب الذي تم إعداده في صيغة مفكرة سردا للسنوات العشر الأولى من تاريخ هذه القوة حيث يبدأ بوصف تفصيلي لكيفية تشكيلها في عام 1950، وكانت مهمة هذه القوة حماية حدود وشعب الإمارات التي تتكون منها دولة الإمارات العربية المتحدة الآن ضد الاعتداءات الخارجية في ذلك الوقت.
ويؤرخ الكتاب للأحداث العديدة التي تعاملت معها قوة ساحل عمان وكشافة ساحل عمان طبقا للتسلسل الزمني. وقد عمل المؤلف مع قوة ساحل عمان وكشافة ساحل عمان حتى عام 1957 لذا نجد أن سرده التفصيلي لإنشاء هاتين القوتين يمتزج مع بعض التعليقات والملاحظات الشخصية حول الخلفية السياسية التي جرت عليها هذه الأحداث ووزارتي الخارجية والحربية البريطانية البعيدتين للغاية عن واقع الحياة في المنطقة آنذاك ثم الأحداث الجارية حينها في الشرق الأوسط والعلاقات مع شيوخ المنطقة. وتضمن الكتاب حكايات حول تفاصيل الحياة اليومية التي عاشتها قوة تخدم في الصحراء تقدم إضاءات حول الجانب الاخر من الخدمة العسكرية بدءا من كيفية مكافحة الحشرات في أسرة النوم وانتهاء بالأحداث الكبرى التي جرت في المنطقة.
وقد جاء هذا السرد التاريخي المتميز لمسيرة هذه الوحدة العسكرية المنفردة التي اشتهرت برمز النداء اللاسلكي الذي عرفت به وهو «تو ألفا ليما» نتيجة بحث مسهب في التفاصيل ومدعم بوثائق وخرائط شاملة ومستندات رسمية وعدد من الصور الفوتوغرافية التي صورها الكاتب نفسه وهو ما يجعله يوفر سجلا شاملا ورائعا للمهتمين بالتاريخ العسكري وبشؤون منطقة الخليج العربي والعالم العربي.
وضمن سياق عرضه لموضوعه يتطرق المؤلف إلى الإمارات المتصالحة من حيث الطبوغرافيا والسكان واللهجة، مستعرضا بعد ذلك نشأة القوة في المشيخات المتصالحة للعديد من الأغراض يأتي على رأسها حماية الموظفين الذين يجوبون المناطق الواقعة خارج نطاق سيطرة الحكام ومساعدة الحكام في مجال الحفاظ على القانون والنظام.
ثم كان تأسيس قوة ساحل عمان رسميا بموجب مرسوم ملكي. ويشير إلى أن زي الجنود كان مشابها لزي شرطة البادية الأردنية ؟ شرطة الصحراء التابعة للجيش العربي. ومن بين ثنايا المذكرات نتابع عملية تجنيد نحو 60 فردا من السكان المحليين بأرقامهم العسكرية المتسلسلة من الرقم 655 إلى الرقم 715 شاملا والذين انضموا إلى الخدمة في 18 نوفمبر وهي عملية تمت عن طريق شيوخهم أساسا.
وأدى ذلك إلى تكوين عدد كاف لإنشاء سرية محلية تحت التدريب في الشارقة ومن ضمنها عدد قليل من صغار ضباط الصف المحليين أما بقية ضباط الصف ورئيس رقباء السرية فقد كانوا من العدنيين الذين ثبت ولاؤهم.
ومما يذكره المؤلف أنه على الرغم من نقص وسائل التدريب والحاجة إلى الارتجال وتفشي الأمية في أوساط المجندين فإنه لم يكن هناك سبب يدعو أي معلم في ذلك الوقت للشكوى من قلة حرص الجنود وفتور حماسهم خلال فترة التدريب التأسيسي التي كانت تمتد إلى ستة أسابيع.
ويتطرق إلى جانب من مهام القوات ومن ذلك قيام دورية في ثلاث سيارات لاندروفر بزيارة قريتي مسافي بعد ورود معلومات تتحدث عن تجدد الاحتكاكات بين القريتين اللتين تحملان الاسم نفسه .وقد خضعت كشافة ساحل عمان لعملية إعادة تنظيم كبيرة ومراجعة شاملة لمفاهيم العمليات والتدريب الخاصة بها نتيجة للدروس المستقاة من الحملة القصيرة التي تم تنفيذها في عمان.
وكانت كشافة ساحل عمان حققت كل الأهداف المتصورة عند تشكيلها فلم تعد القوافل تتعرض للنهب والكمائن وأصبح بإمكان الناس أن يتجولوا ويسافروا دون خوف في كافة أنحاء المشيخات المتصالحة كما أضحى بوسع المسؤولين السياسيين البريطانيين أن ينتقلوا من دون حراسة مرافقة ولم تعد هناك تجارة رقيق.
وفي يناير 1958 وافقت وزارة الحربية البريطانية في خطاب لها على تعيين ضابط برتبة عقيد ليكون قائدا لكشافة ساحل عمان ويكون مقره المملكة المتحدة ويتولى الإشراف على اختيار الأفراد البريطانيين غير أن المحزن، وفق المؤلف، أن العميد بيرد الذي كان قد تمت التوصية بترشيحه لشغل هذا المنصب قد توفي قبل ذلك بفترة وجيزة وتم تجميد الموضوع عند هذا الحد.
التأسيس والتخطيط
ان عملية تكوين هيئة صغيرة من الشرطة المسلحة على مدار عشر سنوات تدرجت فيها تكلفة التطوير من 35 ألفا و500 جنيه إسترليني عام 1951 إلى أن وصلت إلى مستوى الكتيبة القوية التي تم التخطيط لإنشائها بقوة تصل إلى 1550 فردا في عام 1960 وبتكلفة مقدارها مليون 123 ألف جنيه إسترليني تعد إنجازا رائعا للقادة الأربعة الذين تعاقبوا على قيادة هذه القوة خلال تلك الفترة.
المؤلف في سطور
قضى بيتر كلايتون السنوات العشر الأولى من حياته في مصر حيث كان والده يعمل مع دائرة المساحة الصحراوية. في فترة الحرب العالمية كان طالبا في مدرسة حكومية في كنت وقد وقع عليه الاختيار في عام 1946 للعمل بالجيش الهندي.
ثم انتقل في وقت لاحق إلى الأكاديمية العسكرية الملكية في ساند هيرست. وقع عليه الاختيار للدراسة في مركز الشرق الأوسط للدراسات العربية في بيروت، وفي عام 1954 انضم إلى قوة ساحل عمان وفي يوليو 1957 تم منحه وسام عضو عامل في الإمبراطورية البريطانية. وقد شغل عددا من وظائف الأركان حتى تقاعد من الخدمة عام 1971.
مصطفى عبدالرازق
الكتاب: تو ألفا ليما السنوات العشر الأولى من تاريخ قوة وكشافة ساحل عمان
تأليف: بيتر كلايتون
الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية أبوظبي 2008
الصفحات: 269 صفحة
القطع: الكبير

