يحاول المخرج السوري سامر عمران في عمله المسرحي الجديد «عابرون» تقديم مفهوم مختلف عن المسرح عبر قراءته الجديدة لمسرحية «العميان» للكاتب البلجيكي موريس ميترلنغ. ويُشكل العمل الذي قُدم أخيرا في دمشق ثورة على المفهوم التقليدي للمسرح وخاصة فيما يتعلق بالشرط المكاني.
حيث يهبط المخرج بشخصياته «العميان» إلى قاع نهر بردى لتبدأ بتلمس طريق الخلاص عبر سلسلة من الشباك المعقّدة، لتصل في النهاية إلى الفردوس (مسرح المعهد العالي) الذي يبدو أكثر تنظيما من العالم السفلي. هذه الرحلة «الزورباوية» تبدو أقرب إلى رحلة دانتي في الكوميديا الإلهية بصحبة دليله فيرجيل، غير أن العُميان في الرحلة الأولى يفقدون دليلهم (الكاهن) ويتوهون في إحدى الغابات (حديقة المعهد) قبل أن يقودهم دليلهم الجديد المُبصر (الطفل الرضيع) إلى عالم الخلاص الأبدي.
ويقول عمران إن العمل ذو طابع وظيفي وغايته الأساسية هي تدريب الطلاب على جملة من التعابير الداخلية (المونولوجات) المترافقة مع بعض الأفعال الخارجية، مع اختياره لظروف جسدية معقّدة مرتبطة بالعمى. ويلجأ المخرج إلى بعض المؤثرات الخارجية التي يراها ضرورية للعمل، حيث يستخدم إضاءة متحركة (ضوء سيارة) لتنير للعُميان طريقهم الذي قد ينتهي إلى المجهول، مبررا ذلك بأن الوسائل التكنولوجية قد تنير طريقك، لكنها في ذات الوقت قد تقودك للهلاك.
وحول استخدامه للمسرح الموقعي يقول عمران إن طبيعة النص الرمزية تستوجب ذلك، مشيرا إلى أنه حافظ على (روح الكاتب) في العمل، لكنه قدم رؤية إخراجية مختلفة باعتماده على منارة العلم كسبيل لخلاص أبطاله بعد أُفول منارة الدين، في حين اعتمد ميترلنغ على الشعر. ويؤكد عمران أنه قدم قراءة جديدة للنص مع المحافظة على الأفكار الرئيسية التي وضعها الكاتب، مشيرا إلى أنه لا يتعامل مع النص ككتاب مقدس غير قابل للمسّ، لكنه بالمقابل يرفض فكرة هدم النص وإعادة بنائه التي يلجأ لها بعض المخرجين.
ويضيف: أنا مع التجريب في المسرح على مستوى النص والإخراج، لكن على أن لا يؤدي ذلك إلى مسخ النص الأصلي، وهو ما نشاهده للأسف عند بعض المخرجين، فكبار المجربين في العالم (ميرخولد-غروتوفسكي) لم يحاولوا تشويه النصوص، بل عملوا على حلول تجريبية مُدهشة على صعيد الشكل المسرحي وآلية العمل عليه وكيفية تقديمه للآخر.
عالم المتناقضات
«عابرون» مسرحية مأخوذة عن نص «العُميان» لرائد المسرح الرمزي البلجيكي ميترلينغ وهو متأثر كثيرا بالصوفيين الذين يعتقدون أن هذا المكان الذي يحيَون فيه والمليء بالخوف والمجهول ليس سوى ظلال، وهناك بالمقابل عالم آخر يتّسم بالجمال والتنظيم هو الفردوس.
حسن سلمان



