لم يتقبل أصدقاء محمود درويش والمحبون المنتشرون في هذا العالم العربي المترامي الأطراف خبر وفاة شاعر المقاومة وصوتها المدوي في الضمائر الذي ملأ الحياة قصائد ورحل فقد كانت الصدمة مذهلة وعظيمة خصوصا أن الرجل ذهب إلى المستشفى لإجراء فحوصات عادية.

ولكن قدر القضية الفلسطينية محفوف دائما بالأحزان والمواجع القاتلة، ومع وفاة درويش التي كان البعض من أحبته يتمنى أن تكون كذبة، انهالت التعازي إلى وطنه، من مثقفين وأدباء وشعراء، أجمعوا على أن رحيل عاشق فلسطين سيخلّف فراغا كبيرا.

فقد كتب الشاعر أدونيس مرثية بصديقه ختمها بالبكاء حيث قال ان محمود درويش: كتب شعره كمثل كيمياء تحوّل الموت إلى حركة حية، وتخترع الشطآن حتى للقوارب المحطّمة. وحيثما اغتربَ، أقام عاصمة للأمل، جاعلاً من الشعر أرضاً أخرى، وسماء أخرى.

محمود درويش لم يكن، بالنسبة إليّ، مجرّد صديق. كان أخاً قريباً، وشريكاً حميماً في الحياة التي جمعتنا في بيروت، قبل الحصار، وفي أثنائه، وبعده في باريس. كنّا في هذه المدينة الفريدة نبني جسور الشعر ونربط الأفق بالأفق.

أما الشاعر اللبناني عبده وازن فقد كتب قائلا: رحل محمود درويش في أوج شبابه الشعري وأضاف: الأعوام السبعة والستون التي انطفأت لم تزده إلا ألقاً. وكان كلّما اكتشف خريف الحياة أوغل في ربيع القصيدة. لغته العذبة الجارية كماء النهر لم يشبها وهن ولا أصابها خمود، بل ظلّت تتوهج وكأنها تسترجع بداياتها ولكن بنضج النهايات التي لم تنته.

أما الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي فقال: الجميع الآن يشعرون بأن رحيل محمود درويش فقد حقيقي وخسارة عظيمة للشعر ولفلسطين معاً، لأن محمود درويش وجه أساسي مشرق في الشعر العربي المعاصر، ولأنه أيضاً صاحب قضية قدم لها الكثير واستطاع أن يكون رسولاً لها في العالم من خلال شعره الذي ترجم إلى عشرات اللغات.

وبدوره فقد كتب الناقد المصري جابر عصفور مرثية مؤثرة أكد فيها أن: موت جسد محمود درويش، هذه المرة، كان تتويجاً لكل مواجهاته للموت الذي ظل يراه منذ دواوينه الأولى في الأرض التي انتسب إليها، إلى دواوينه الأخيرة التي رأى، خلالها مضيفا أن: الموت في داخله، فصارعه ليقهره، ومضى محاصراً بالموت في الداخل والخارج.

لا يكف عن الصراع، إلى أن انتصر أخيراً على الموت، وخادعه وخدعه، عندما أسلمه الجسد الفاني واستبقى الروح الخالد الذي حلّق بعيداً عن الموت، عائداً إلى جوهره الأنقى وحياته الأبدية، محققاً نبوءته الشخصية التي همس بها إلينا، عندما قال في الجدارية:«سأصير يوما طائرا، وأسُلُّ من عدمي.. وبدوره فقد كتب الكاتب والصحافي غسان شربل كلمة شفافة جاء فيها:أكاد أجزم أنك قد تعبت. أيها الإرهابي العتيق. أيها الإرهابي الأبيض. ضبطوك بالجرم المشهود.

تنشر وجع المخيمات على حبل الزغاريد. ضبطوك متلبساً بعروبتك الرحبة. ضبطوك تكاتب عصافير الجليل. ضبطوا مناديلك تحرّض الموج في بحر حيفا. خافوا أن يعلن البحر انتفاضته. ضبطوك متسللاً إلى الضمائر. وكتب المدارس. ضبطوا الحمام يروج لحبرك السري.

ضبطوك تزرع الياسمين ليلاً في قريتك القتيلة. وتدسّ الياسمين في قهوة أمك. ضبطوك تهرّب المواويل والقناديل. وضبطوا صبية تخفي دواوينك في حقيبة عرسها. جريمتك أكيدة أيها الإرهابي الجميل. أقلقت المحتل. وغسلت روح القاموس.

أما الفنان مرسيل خليفة الذي كان صديق الشاعر الأقرب والأحب الذي رافقه في أغلب الأمسيات التي أحياها وغنى ولحن شعره الذي أصبح على كل شفة ولسان خصوصا قصيدتي أجمل الأمهات وريتا قال راثيا: ربما هي المرة الوحيدة التي خجل فيها محمود درويش لأنه رحل قبل رحيل أمه، ترك لها الدمع لكي تبكيه ولم يترك لها شعراً لترثيه.

أنا الذي حملت شعره وسافرت به بعيداً، أنا الذي حمل ترابه وحنينه إلى أمه و ريتاه وزيتونه وكرمله، هل تصدقونني إن قلت لكم إن الشعراء لا يموتون لكنهم يتظاهرون بالموت؟ أما الشاعر عباس بيضون الذي كان مقربا من الراحل كتب قائلا: لم يكن حظ درويش من الحياة واحداً. لقد وصل بسرعة وسهولة إلى نجاح مطلق، وبات نجما في بلاد العرب ونجما في غير بلاد العرب.

وكرس حياته كلها للشعر بدون أي تطلب آخر. لعل درويش من «النجوم» القليلة التي ليست زائفة ، أما الشاعر غسان مطر فقد سجل مرثية مختصرة متسائلاً غير مصدق للخبر قائلاً: هل حقا مات؟ إذا في الأمر خيانة، فمحمود لا يتنازل بهذه السهولة.

صحيح انه كان في شعره أمير المفاجآت، لكن إن كان مات حقاً فهو قد فاجأ نفسه هذه المرة، فقصيدة موته لا تعجبنا، ولو نشرت في الأرض كلها، ورددها الناس كلهم، لأنها قصيدة يتساوى فيها محمود مع كل الذين يموتون ومحمود لا يتنازل بهذه السهولة. وأخيرا قال المخرج السوري هيثم حقي: حين أخبرني الصديق رياض الريس بحرج وضعه الصحي.

يومها أحسست بأن الأرض تميد بي حقاً. فعالم ليس فيه محمود درويش عالم شديد الرمادية، اللون الذي كرهه محمود كثيراً.مضيفا أن: محمود درويش صورتنا الأخيرة. أجل صورة جيلنا من لحظة النكبة إلى لحظة الوداع. فمن سيكمل التعبير عن مصائبنا وأمانينا بعد الآن؟!

زيجتان فاشلتان

قال الكاتب الفلسطيني بلال الحسن أن محمود درويش تزوج في حياته مرتين، وأضاف الحسن في مقال كتبه في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في 11-8- 2008 أن درويش أنهى زواجه في المرتين بعد أشهر قليلة. ودعا الحسن النقاد لكي يتسع مجال رؤية عالم درويش وتجلياته الحياتية إلى بحث هذا الجانب من حياته، مؤكدا أن درويش أنجذب نحو عالم المرأة، وكانت المرأة موجودة دائما في شعره بعمق.

إلى محمود درويش

على ورق السنديان

وُلدنا صباحاً

لأم ندى وأبٍ زعفران

* *

ومتنا مساءً

بلا أبوين

على بحر غربتنا

في زوارق من ورق السيلوفان

* *

على ورق البحر،

ليلاً،

كتبنا نشيد الغرقْ

وعدنا احترقنا بنار مطالعنا

والنشيد احترق

بنار مدامعنا

* *

والورق

يطير بأجنحةٍ من دخان

* *

وها نحن يا صاحبي،

صفحتان،

ووجهٌ قديمٌ يقلِّبنا من جديدٍ

على صفحات كتاب القلق

وها نحن. لا نحن

ميتٌ وحيٌ

وحيٌ وميت

«بكى صاحبي»

على سطح غربته مستغيثاً

«بكى صاحبي»

وبكى، وبكيت

على سطحِ بيت...

* *

ألا ليتَ... ليت

ويا ليتَ... ليت

وُلدنا ومتنا على ورق السنديان..

سميح القاسم