توقف قلب الشاعر الفلسطيني محمود درويش عن الخفقان وخذله القلب «على سرير الغريبة»، هذا الموت الذي فاخر درويش يوماً بأنه هزمه وانتصر عليه، محمود درويش في حضرة الغياب لا تعتذر عما فعلت، لأنه لا أحد يحبك ميتاً.
إن موت محمود درويش المفاجئ هو تكثيف لحجم الفاجعة الكبيرة التي اعتملت في صدور الكثيرين من الشعراء والأدباء وعامة الناس الذين يعرفون محمود درويش حق المعرفة، وهي معرفة قلّ أن حصل عليها شاعر عربي معاصر إلا أولئك الكبار الذين اخترقوا القاعدة الشعبية بقصائدهم المدوية على طريقة الجواهري والبياتي والسياب، وأسسوا ألواناً جديدة من الشعر العربي. ومحمود درويش الشاعر والإنسان وإن ارتبطت قصائده بقضيته الفلسطينية إلا أنه تمكن من أن يكون صوتاً إنسانياً عابراً أفضية الزمان والمكان بروح التجديد وإضافاته المعرفية للقصيدة العربية التي تمكن منها درويش وهو يستعرض حداثته مع الجديد من شعره، نثراً وتقفية وسياحة جمالية في عوالم الشعر ليكون من أهم الشعراء الذين ساهموا في بناء الشعر العربي الحديث.
قلب فلسطين الآن غير نعم ولكن فلسطين تنجب شعراءها الكبار في كل زمان تمر به وإن تسيّد درويش ساحة شعرها، بل تسيد ساحة الشعر العربي برمته عبر عقود من الزمان، منطلقاً من قضية وطنية إلى شموليتها الإنسانية الكبيرة، ففلسطين رمز والقصيدة الفلسطينية رمز ومحمود درويش رمز.
توقف قلب الشاعر بينما قلب فلسطين ينبض وإن صار غيره، فقلب المدينة يتحرك، لكن قلب الشاعر توقف. انتهت قصيدته الأخيرة بالسكون والموت والصمت الطويل. ليبقى هذا الشاعر شاهداً على العصور الفلسطينية المتبدلة وتبقى قصة غرامه لها قصة عظيمة ندركها جميعاً حتى لو تغيرت الأزمان وتغيرت أصوات الشعراء وتغيرت القصائد، لكن تبقى القصيدة الدرويشية فائقة اللغة، كبيرة المعاني، وثّق فيها أهم مراحله الشعرية المتعاقبة.
ولن تُركن إلى سلال الماضي، فالماضي في قصيدة درويش هو الحاضر والمستقبل معاً، فنبوءات الشاعر أكثر من أن تحصى أو توصف، والشاعر سليل النبوءات الشعرية دائماً، لأنه يتعقب الحياة بالطريقة التي يراها هو لا كما يراها الآخرون.
لذا فالبقاء الشعري الدرويشي تحصيل حاصل، نقدياً واجتماعياً، وهو ما تعلمناه من كل السنوات التي مرت، حيث كان درويش الصوت الشعري الأول في ساحة الشعر العربي، وهو من الشعراء القلائل الذين تتوهج قلوب المستمعين لسماع قصيدته ذات الوقع المؤثر.
اكتنز درويش فلسطين برمتها بين جوانحه فكان فيها ومنها وإليها. سافرتْ معه وسافر معها. جاء اليها وجاءت إليه. قرأته وقرأها. تزوجته وتزوجها. نام على وسادتها ونامت على وسادة شعره. بكى وبكت. غنى وغنت. لكنه عندما مات استيقظت المدينة من سباتها لترثي جبل الجليل وتندب غيابه الأبدي وتنوء بوجعها الثقيل من أجله.
إصدارات محمود درويش
لدرويش أكثر من ثلاثين مجموعة شعرية من بينها عصافير بلا أجنحة (1960) وأوراق الزيتون (1964) وعاشق من فلسطين (1966) وآخر الليل (1967) والعصافير تموت في الجليل (1970) وحبيبتي تنهض من نومها (1970) واحبك او لا احبك (1972) وحصار لمدائح البحر (1984) وورد أقل (1987) ولماذا تركت الحصان وحيدا (1995) وحالة حصار (2002) ولا تعتذر عما فعلت (2003) وكزهر اللوز او ابعد (2005). سرير الغريبة وأثر الفراشة (2007).
وارد بدر السالم

