ليس للفلسطيني ترف رثاء أحبائه، لا وقت لديه يسعفه لتأمل مفردات ألم الفراق، لا يمكن رثاء الحاضر للاحتفاظ بمفتاح مستقبل استدعاه محمود درويش الفتى وأمسكه بكل ما في قبضته من قوة شاعر حالم أمضى عمرا وهو مرتحل مع حقيبة سفر وكلما كان يشتد الحنين كان الوطن ينغرس أكثر في قلب أعيته المنافي والانتظار في محطات كان يفضل أن يلجها سائحا لا منفيا، عن وطن ظل ساكنا في كل جوارحه وكل خلجات قلبه ولم يفارقه طوال 67 عاما .
ليس للفلسطيني ترف الاستمتاع بمنتجات الإبداع بعيدا عن وطن حبلت به ذاكرة محمود درويش وحملته إلى كل الأصقاع بعد مسيرة البدايات التي وثقها غسان كنفاني في كتابه «شعراء الأرض المحتلة». محمود درويش كان أحد أولئك الشعراء اليافعين، الذين حاولوا النهوض بمحاولة توفير إجابات عن أسئلة كبرى زرعها الاحتلال تعسفا في أذهان ذلك الجيل ولما تزل حاضرة في أذهان نظرائهم من الأجيال اللاحقة، أسئلة إجاباتها لا تحتاج إلى دراسات مستفيضة حتى يجاب عليها. لأنها ماثلة أمام ناظر الجميع على شكل مسلمات وبديهيات لا يختلف عليها اثنان، وأدركها ذلك الجيل من شعراء الأرض المحتلة وأدرك معها كذلك أنه لا مكان للمسلمات في لغة القوة وتحت سطوة السلاح، فاستلوا أقلامهم وراحوا يعيدون صياغة مفردات وطن ويؤسسون لتجربة شعرية رائدة لا يزال صوتها مدويا حتى يومنا هذا.
غسان كنفاني لم يكتشف تلك المجموعة من شعراء الأرض المحتلة، بل إنه سلط الأضواء على ظاهرة أو أماط لثام الاحتلال عنهم في لحظة عصيبة من عمر القضية الفلسطينية بعد أن تقطعت سبل التواصل بين مكونات شعب أجبر معظم أبنائه على الرحيل مخلفا وراءه أشقاء وأبناء وآباء وأمهات تعلو أصوات حناجرهم قبالة محاولات التهميش والتذويب وإلغاء الهوية .
وكان شاعر المقاومة قد أنهى آنذاك دراسته الثانوية وراح يكرس حياته لكتابة للشعر والمقالات في عدد من الصحف الإسرائيلية، مثل « الاتحاد» و «الجديد» التي أصبح فيما بعد مشرفا على تحريرها، كما اشترك في تحرير جريدة « الفجر» .
هذه المرحلة من حياة مؤلف عاشق من فلسطين أسست لما كان سيكون عليه شاعر المستقبل ومهدت الأرضية المناسبة لولادة تجربة إبداعية ووطنية لن تظل نبراسا للأجيال القادمة فحسب، بل إنها تؤرخ للقضية الفلسطينية برمتها من منظور جنس إبداعي مصداقيته تفوق بكثير مصداقية الخطابات السياسية الطنانة عامة، لم لا وذلك الطائر الخارج من قلب الحقيقة ومن وجدان رجل لم تضل بوصلته الطريق حتى في أقسى الظروف وأحلك المواقف وأبعد المنافي.
اضطر محمود درويش للرحيل عن الوطن بعد أن اختبر رطوبة زنازين الاحتلال وعتمتها وبعد أن أمعن سوط الجلاد في جلده الغض وبعد أن كتب قصائد حاولت ونجحت في أن تعلن للعالم بصور شعرية بديعة عن وجود شعب واقف في وجه الاحتلال ولكنه يحب الحياة.
خرج الجسد، بقيت الروح، ظلت عينا محمود شاخصتين نحو الوطن القريب البعيد، وحتى لا يصاب بقصر النظر من كثرة التحديق إلى ذلك المربع الأخضر حيث الأهل والأحبة، اختار محمود العيش في عواصم عربية مجاورة لفلسطين أو ليست بعيدة عنها على أقل تقدير.
فكانت القاهرة محطة تلتها أخرى وأخرى حتى جاء دور بيروت، التي هام الشاعر في حبها وعشقها حتى النخاع وكتب فيها أجمل مكنونات تجربة شعرية عز نظيرها، فكانت قصيدته الملحمية «مديح الظل العالي» وكان حوار عميق جميل متفجر بين شاعر كبير امتطى صهوة القوافي ومفردات مدينة دنسها احتلال وأمها شخوص عشقها وصور ارتحلت معه إلى مناف بعيدة جديدة.
كان الحذر هو القاسم المشترك بين حالة شعرية متقدة تخللها نثر ونصوص كثيرة من جهة وضرورات الانخراط في العمل النضالي السياسي من الجهة الأخرى، مما مكن الشاعر من إيجاد حالة توافقية قد تكون نموذجية، فلقد ظل محمود درويش وفيا لجماليات تجربته الإبداعية ومخلصا لقضيته الوطنية في الوقت نفسه ولم يسمح بأن يطغى أحد مكونات شخصية المبدع على المكون الآخر.
وكان من أحب الناس إلى قلب الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، الذي كلفه بكتابة وثيقة الاستقلال الفلسطينية وأقنعه ذات مرة بالانضمام إلى عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، لكن سرعان ما خرج منها مكملا رسالته كسفير لقضيته أينما ارتحل وحل، ولقد اعتاد على القول إن ريشته لا تكل ولا تمل من الكتابة عن الأرض والوطن ومن رفع الصوت والاحتجاج بالكلمة.
مما جعل حياته محاطة بطيف واسع من القراء والمعجبين في فلسطين والعالم العربي والعالم أجمع، على الرغم من أن الأمر لم يخل من المنتقدين الإسرائيليين وبعض الفلسطينيين والعرب الذين أبدوا امتعاضهم من بعض مواقف درويش لا سيما تلك المتعلقة بالقيادة المتنفذة في م.ت.ف وبأنسنة مفردات الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
الحديث عن الجانب السياسي أو الشعر السياسي في حياة محمود درويش لم يحل دون خروج هذه التجربة الإبداعية من رحاب الوطن إلى آفاق أخرى أكثر رحابة، فلقد كان درويش فقيد فلسطين والأمة العربية والإنسانية يقول إن موضوعات المنفى والاحتلال والكآبة المنتشرة في أعماله لا تبدو غريبة عن الأوروبيين والأميركيين ولا عن الإسرائيليين كذلك، ولقد جاءت كلماته في هذا الخصوص على النحو التالي: »المنفى هو أكثر من مفهوم جغرافي. يمكن أن تكون منفيا في وطنك، في بيتك، في حجرتك. وهذه ليست مسألة فلسطينية فقط«.
لكن صاحب «العصافير تموت في الجليل» لم يتخل قط عن مهمته كشاعر وطني فلسطيني، وفي زمن الشعر والذاكرة، كان درويش قادرا على إظهار أن للقصائد سلطة قادرة على تحريك مجتمعات بأكملها، خاصة أن المسألة تتعلق هنا بشعب يتطلع منذ 60 عاما إلى إقامة كيان سياسي خاص به، مما يجعل التأريخ والقصائد والثقافة والكلمات تأخذ أبعادا أكثر أهمية بكثير، حيث تتحول إلى محطات حاسمة في عملية البحث عن هوية جماعية مشتركة.
رحل درويش في أرض غريبة وبعيدة وباردة وجسده المسجى هناك يتوق إلى عودته الأخيرة النهائية إلى وطن تقاسم معه وأعطاه كل ما يملك، حتى الأسرة الزوجة والأبناء نحيت جانبا حتى تبقى المواجهة مفتوحة على مصراعيها، رحل الشاعر بعد صراع طويل مع المرض، ولم تكن وفاته مفاجئة من الناحية المادية، فحتى هو كان قد كتب عن «الانتصار على الموت» إثر عمليته الجراحية الثانية في عام 1998.
ترجل الفارس، الذي كرمته مدن العالم، محافظا على بياضه الناصع الذي لم يشبه بريق الأضواء ولم تجذبه السجادات الحمراء ولم تغره الكراسي وظل وفيا لرسالة البدايات والأجداد ووجع الأخوات والأمهات وجماليات الشعر والقوافي.
الموت ينضم إلى قتلة الفلسطينيين
ربما كان تساؤل الشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصرالله جريئا ومتقدما عندما سمع بخبر وفاة الشاعر محمود درويش بقوله : كيف يمكن أن نرتجل كلاما في مثل هذا الموت؟ وأمام هذا الموت الذي يهزمنا مرة أخرى، بإصابة مباشرة وفي القلب تماما، كما لو أننا نعاني من قلة الأعداء، وقلة القتلة؟!
ورأى نصر الله في رحيل درويش فصلا كبيرا من فصول هذه التراجيديا الفلسطينية أو (الملهاة)، التي لا يصل فيها الحبيب إلى الحبيب، كما قال ذات يوم، إلا شريدا أو شهيدا ، وقال نصرالله نحن اليوم نرزح تحت ثقل خسارة كبرى بهذا الرحيل القاسي، خسارة افتقادنا مبدعا كبيرا سنفتقد قصائده الجديدة التي هي رفيقة الطريق ورفيقة الحلم لشعب يستحق أن يحيا حياته حرا فوق الأرض لا تحت التراب وخلص إلى أن الموت يهزمنا الموت مرة أخرى بكل هذه القسوة، لأنه الأكثر معرفة بأننا كنا دائما عشاق حياة .
فحوص للقلب وليست عملية
ذكرت مصادر مقربة من الشاعر الفلسطيني محمود درويش أنه توجه إلى الولايات المتحدة لإجراء فحوص للقلب وفي نيته عدم أجراء عملية جراحية، كما أسرّ إلى بعض أصدقائه. لكن سرعان ما أجريت له عملية القلب المفتوح لتضييق الشريان الأبهر (الأورطى)، وذلك بعدما أظهرت الفحوص أن حاله الصحية حرجة، وانه يوشك على الانفجار. وحدد الأطباء نسبة نجاح العملية بما بين 70 إلى 75 في المئة، وفعلا نجحت، لكن ما لبثت أن تلتها مضاعفات خطرة بعد تعرض درويش إلى جلطات صغيرة في الرأس.
هزمتك يا موت.. وأنت انتصرت
بعد نجاح عملية القلب المفتوح الثانية التي أجراها الشاعر الفلسطيني عام 1998 كتب محمود درويش قصيدة (جدارية) الطويلة يعلن فيها انتصاره على الموت ولكنه انتصار هو بمثابة الهزيمة، فأنشد يقول:
هزمتك يا موت.. هزمتك.. وانت انتصرت
ويا مَوْتُ انتظرْ، ياموتُ
حتى أستعيدَ صفاءَ ذِهْني في الربيع
وصحّتي، لتكون صيَّاداً شريفاً
لايَصيدُ الظَّبْيَ قرب النبع
----
مِتْرانِ من هذا التراب سيكفيان الآن..
لي مِتْرٌ و75 سنتمتراً.. والباقي لِزَهْرٍ فَوْضَويّ اللونِ
يشربني على مَهَلٍ
كأنَّ شيئاً لم يَكُن
وكأنَّ شيئاً لم يكن
باسل أبو حمدة

