لا يمكن تجاهل القيمة الميثولوجية لليل في ذاكرتنا الجمعية، بيننا وبين الليل تاريخ طويل، رغم أن الليل لا يسمح لنا بقراءته، إلا من خلال التكهنات، ورغم أننا ننتسب إلى الليل أكثر مما ننتسب إلى النهار، وأن ليس من الممكن الحديث عن علاقة الـ «بين» هذه، وكأننا نتقاسم تاريخاً، لأن الليل قائم بذاته، يكون ابتداء لا انتهاء، لا شيء يستطيع الخروج عليه، لأنه لا يزول، حتى وإن بدا أنه ممحو، متلاش ، عندما يكون نهار.
هنا لا أحد يعلم أين هو الليل بالضبط، لأنه سرعان ما يؤوب، وإن سهُل تعيينه من خلال تخيله، الشعور أنه مقيم، وكأن النهار لحظة خاطفة منه، مستل منه، كما هو الأبيض في علاقته بالأسود. الأبيض، كما يُعرَف عنه، مزج ألوان، يَحتاج كثيراً، ليحصَل على قليله، وهو هذا/ ذاك الأبيض، إلا أن الأسود يُحتاج إليه، يذهَب إليه، يدخل في علاقة، أو أكثر معه.
فهو الجسد الذي نسكنه، والأبيض ارتعاشة ما فيه، والنهار بدوره ليس أكثر من التماعة سنّه، وإن بدا متقاسِماً النهارَ، الكون ذاته! لكن التفكير فيه، وفيما نعيش ونحيا ونفكر، يكون أكثر حضوراً، وكأنه اللغة والنهار خروج عليه لا يني يرتد إليه، إلا أن موهبة الفصاحة نطفتُه، ما يخص الإيثار، جانب القوة والاختلاف، رغم كل ما يقال عن الليل ذاك/ هذا، لا يبقي شيئاً تمايزياً، يعود إليه.
أوليس الشعر استيلاداً ليلياً، أو ليس بحثنا الدؤوب عن أكثر اللحظات إيثاراً، إسعاداً، تنويعاً في الحياة، استشراف منعطف طرق في حياتنا ينمُّ عن نسبِه الليلي؟ الليل دافق فينا، إنه محبرة كونية، بينما تكمن مهمة الشعراء بالدرجة الأولى، لأنهم اللحظة الفالتة في تاريخه المختلف، غير المقروء إلا من الداخل، أي فيما يتم تقديراً.
ونظراً للعلاقة الاستثنائية الخاصة! نعم، مهمة الشعراء تكمن في إيلائه تلك الأهمية الاستثنائية. الشعراء ليليون، يعانون من حالة هجنة فظيعة ورائع معاً، يعيشون عذاباتها، إنهم ملحدون إلى أبعد الحدود، وموحدون بالصورة الأمضى للتوحيد، بسبب طبيعتهم المهنية الخاصة، ودون أن يلاحَظوا تماماً، لأنهم كائنو الليل، أهلوه في المجمل، غرباء النهار باضطراد، تتداخل فيهم الذكورة والأنوثة.
بما أنهم ينجبون صوراً مشرقة، يتوافدون بأرواحهم، وهم ينشدون النهار، في الوقت الذي يحجون إلى الليل، يطوفون فيه، حوله، يتعبدون بمعنى ما، يرطنون باسمه، يتعوذون منه، يستسلمون له، لكي يصلوا إلى تلك الذات التي تخوّلهم في أن يظهِروا ما شاقهم، وما يتوقون إليه: الشعر! .
الشعر يولد من الرحم، وهذا رحَّال في الليل، والشعراء يحملونه، يجسدونه في متخيلاتهم، ليس من شاعر إلا وهو توضع أنثوي ما، ليكون القابل لولادة اللحظة المنتظرة، ولهذا تكمن غرابة الشعراء في هذه النقطة، في أنهم لا يكفُّون عن إبراز الليلي فيهم، وإن بدوا طافحين بالذكورة. الصور الشعرية ولادات مستمرة، حالة المخاض تنتاب الشعراء باستمرار، وهذه تيمة لا تتوافر لكل شعر.
أكثر الشعراء تألقاً، هو أكثرهم تجنيساً بالليل، امتلاء بالمخاضية التي لا تتوقف. الفنانون هم هكذا، دانديون بدورهم، كل ما هو فيهم ينمُّ عن المترَع بالأنثوي، اشتهاء ضمنياً، بجماع الفكرة المبدعة، باللون. فنان اللون وحده يدرك دون أن يسمّي، ماذا يعني الليل له، هو لا يسمّي، لأن الليل غير مقروء، إنما هو ممتد فيه، إنه متراء ، إن كل ما في جسده يمتد، يتعرض لاختلاجات، في انتظار لحظة «الطلق» الفنية.
فالنهار استثناء، والليل القاعدة، الريشة والإزميل، مثالاً، هما القابلة الحيوية، لتحويل ما في ذات الفنان، وقد آن له أن يظهر مولوده الفني المنتظر، من حالة الكمون إلى الفعل، إن الكون كله مقره، وقد تمثَّل فيه، عصب المتخيَّل اللوني حبل مشيمي، يضطر إلى أن يكون الأنثى بالتتالي، ليؤكد الفنية العالية فيه.
إن اختلاءه بنفسه، وضع عروسي، ليلي المقام، وكل ذلك بحضور الليل من الداخل. الليل عراب لا يتسنى لأي كان إقامة علاقة معه، دوام الصلة معه. المبدعون من الفنانين ، الشعراء، الأدباء بالجملة، وحدهم يؤثرون الليل باستمرار على أنفسهم، ليس من باب الاضطرار، إنما هو اختيار مدروس، لا غنى عنه، وإن عصي على الشرح، فالنهار يظل هامشاً، يتوقد بفضل الليل، يبقى العلماء، المفكرون.
هؤلاء بدورهم لا يمكنهم التخلي عن الليل، إدعاء النهارية، في الوقت الذي نعلم، من خلال تأملاتهم، استئناسهم بالوحدة، وهذه سدول ليلي، لعلهم يحظون ببارقة أمل، عن طريق الليل. كل تاريخ يخرج عن نطاق الليل. ليس من أحد بقادر على ادعاء أنه خارج عن هذه القاعدة.
النهار تاريخ قابل للقراءة، هذا صحيح، ولكنه التاريخ الذي أبصر ذاته، بإعاشة ليلية لا تنقطع، النهار لا يفارق الليل، وكل تصحيح لخطأ نهاري، يراجَع ليلياً. إن أخطاءنا في كتابة التاريخ، تنقَّح من خلال استرجاع الليل، العماء مفهوم ليلي، والتكوين لم يبدأ إلا من داخل الليل، وما خروجه تكويناً، تدويناً قابلاً للقراءة، إلا بنعمة ليلية، التكوين لا ينقطع، كما هو تدوينا المتعاود.
فلكم نسأل الليل عن النهار فينينا، الليل مرشدنا، وإن نحدد بحراً يغمرنا عالياً، ما شعورنا أننا حققنا إنجازاً تاريخياً، إلا لأننا فزنا بهذه اللحظة، الفرصة المواتية من جهة الليل. طويل هو الليل فينا، ذلك هو التاريخ غير المقروء ألفبائياً، وما المقروء إلا المقتنص من الليل المستمر، فالليل زمن لا يقبل البتر، التواتر.
حيث ينتفي فيه الماضي والحاضر والمستقبل، هذا افتراض نهاري، والليل اعتراض ليلي ديمومي، نستكين مجازاً بالليل، إذ نريد معالجة النهار، نمارس تصحيحاً لانحرافات، لما عجزنا عن تحقيقه، باحتمائنا لليل، فعماؤنا لا ينتهي، وإذ نتعرى ليلاً، فلكي نعاين أنفسنا من خلاله، نتجرد من ثيابنا، لنعود إلى ليلنا، بعيداً عن الاستعراضات، عن التمايز بصنعته النهارية.
العنصرية في التفاوت صنيعة نهارية، النقيض تفعيل ليلي، إذ نتعرى نستعيد وحدتنا، عرينا يلغي وضعنا النهاري، يوحدنا، كل جسدنا كمثيله، هذه آلاء ليلية، والتاريخانية تسمية خاطئة، ننتشي بها، إفصاحاً غير مسمَّى على أننا انتصرنا على المجهول المرتد إلى الليل.
لأن نظرة تمحيصية فيما خلفناه وراءنا، فيما يحدث حولنا، يصدمنا بالليل، تواجهنا بالحقيقة التي آثرناها زيفاً، بما لا يمكننا إبصاره مباشرة( حضورنا المباشر في الليل، أو من الداخل، كما يقول مفهوم : العتمة). كما هو الطغيان المنسوب إلى الليل، لأنه يمحي المسافات.
إبراهيم محمود
