إذا أخذنا بقول المهندس والمعماري الفرنسي الشهير لوكوربوزيه «البيت آلة للمعيشة»، فإن البيت اللبناني، في بداية تكوينه وتشكليه، ومنذ جرى الكلام عنه للمرة الأولى بالمفهوم الشعبي العام البعيد كليا عن المفهوم العلمي الهندسي المتعارف عليه عالميا، جسد أيام حكم الإمبراطورية العثمانية، وصولا إلى خروج الانتداب الفرنسي.
يقول نقيب المهندسين اللبنانيين السابق عصام سلام في كتابه «الأعمار والمصلحة العامة في العمارة والمدينة» إن «الأسلوب المعماري اللبناني في الماضي كان واضحا وصريحا، فأوجدنا مخططا للبيت أصبح اتباعه فريضة. واستعملنا الحجر الصلب للبناء فاتقناه وأعطيناه روحا شخصية واقتبسنا مما دخل علينا بواسطة تجارتنا وعلاقاتنا مع البلدان الغربية من البحر المتوسط ومزجناه بما ورثناه عن الفن العربي، فأوجدنا أسلوبا لبنانيا صحيحا انتشر استعماله عند جميع الطبقات، وأسسنا تلك المدرسة اللبنانية التي تمتاز برشاقتها وسعتها وحسن ارتباطها وتوازن أعضائها بعضها ببعض».
عوامل خاصة : وكما في كل بيوت الدنيا، قديما وحديثا، شكل الجدار في البيت اللبناني التراثي الخط المعماري الأول لشكله وتوافقه مع المناخ والظروف ووسائل العمل والخبرة الإنسانية والتطور الاجتماعي والطوبوغرافي والجغرافي، وكلها عوامل حددت في مجملها خاصية البيت كوحدة سكنية متكاملة ومتلائمة مع الطقوس اللبنانية وأعرافها وقيمها وبطبيعة الانسان اللبناني وإحساسه الروحي والمجتمعي والنفسي والجمالي، وبالتالي حددت المادة التي دخلت في تركيبته. ويتجلى ذلك في خمسة نماذج هي: بيوت الطين التي يعود تاريخها إلى أيام التنوخيين، دور العبادة المسيحية والإسلامية المتأثرة بالعمارة العربية والعثمانية والبيزنطية، السرايات الكبرى، اللوكندات والخانات.
بيوت الطين
فعلى صعيد بيوت الطين، وأكثر بقاياها التنوخية في منطقة جبل لبنان، خصوصا بلدة «عبيه»، وفي محافظة «البقاع» ـ بلدة الفاكهة ـ وقضاء «عكار»، غالبيتها متداع بتعاقب الزمن وبعضها مسكون حتى الآن لفقر أصحابها من الانتقال إلى منازل اسمنتية حديثة، لكنها تشكل حلقة في سلسلة تطور العمارة اللبنانية وارتباطها بأنماط زراعية حرفية، وكذلك بعادات وتقاليد ومستوى تحضر واستقرار.
وإذا كان من الصعب المقارنة بين بيوت التنوخيين، وكان أصحابها حكموا لبنان فترة طويلة تمكنوا خلالها من بناء منازل حجرية مزينة بالعقود والزخارف فإن البيوت الطينية في البقاع الشمالي أقل مستوى من وجهة معمارية.
والناظر إليها يكتشف منزلا ذا وظائف معقدة ارتبطت بنمط حياتي زراعي حرفي وتقليدي، هو منزل مكعب الشكل يعلوه سقف من جذوع أشجار وتراب محدول، على تنوع وظيفي في الغرف بين المهجع والمخزن والمطبخ والتنور والطاحونة.
قابلية التكيف
وبالعودة إلى تاريخ البيت الطيني، كشفت الأبحاث توارثه من بلاد ما بين النهرين، وهو ظاهرة موجودة في كل العالم العربي، مشرقه ومغربه، ومن حسناته قابليته للتكيف مع المناخ المتبدل، وبكونه مكانا وظيفيا يتصل مباشرة بحياة الإنسان. وبهذا المعنى، يمكن المعمار اللبناني من استغلال الغرفة في وظائف متعددة في مساحاتها الأفقية والعمودية معا.
بيوت العبادة
منذ القدم اقترنت يوميات اللبناني بالصلاة والعمل، فكان لا بد أن يقرن هذه الحياة بدور عبادة، بما هي كنائس المسيحيين ومساجد المسلمين في كل مدينة وقرية وضاحية. وقد تكون هذه الدور لعبت دورها الفاعل في ترسيخ الوحدة الوطنية، وبالتالي كان لا بد أن يختار أعيان المدينة والقرية أجمل الساحات والتلال لتشييد هذه الدور واعتماد أمهر البنائين والمهندسين لتشكيلها فتبدو بأجمل حللها.
والكنائس كما المساجد، كبيرها وصغيرها اتخذت من النسق الهندسي البيزنطي والعربي أشكالها، وبحيث يمكن للناظر أن يقرأ في هندستها مجموعة حضارات تعاقبت على لبنان لتترك بصماتها على هذه الدور، خصوصا في بضعة جوامع من عهدي المماليك والعثمانيين، احتفظت بفخامتها. وخير دليل على ذلك جامع الأمير المنصور عساف الذي يقع وسط بيروت.
ووصفه الرحالة الصوفي عبد الغني النابلسي في كتابه (التحفة النابلسية) ب(بناء من العجائب، وهو مبني على أربعة أعمدة، وفوق ذلك قبة عظيمة يحوطها أربع قبب وأربعة قباب، كل ذلك مركب فوق هذه الأعمدة. وفي فنائه بركة ماء غزيرة، وله أيضا بابان، ويجتمع فيه أناس من الحفظة ما بين العشاءين يتلون القرآن ويتقيدون بطاعة الرحمن).
أيضا جامع البحر عند الزاوية الجنوبية الشرقية لمرفأ بيروت، ويعتبر من أفخم الجوامع في لبنان، بعمارته المملوكية التي تجمع بين فخامة البناء ودقة الهندسة المعمارية وروعتها. وعرف بأسماء عدة منها مسجد التوبة وجامع البحر وجامع العمري.
السرايات الكبرى
من حيث البناء، لا تختلف سراي «بعقلين» وغيرها من سرايات لبنان، عما كان سائدا في فترة تشييدها من طرز عثماني كما غالب مباني ومؤسسات الدولة. وبذلك لم تكن سراي «بعقلين» حالة استثنائية فيما كانت وصارت عليه. فالشواهد كثيرة على تغيير وجهة استعمال الصروح المعمارية القديمة، ولا سيما تلك التي لها قيمة فنية عالية كالقصور والخانات.
شيد المبنى من طابقين تتصدر المدخل أعمدة رخامية وقناطر تحيط بها زخرفات تشي بالفن المعماري الذي ساد في هذه الفترة وتجمع بين النمطين التركي والعربي. ويمكن القول ان البهو الكبير كان لدى تشييده آية في دقة البناء والزخرفة. أما تاريخ بنائها، فقد أصر المؤرخون على نسبة الانجازات الحضارية إلى المتصرفين في جبل لبنان حتى عشية الحرب العالمية الأولى.
ونسبوا البناء إلى متصرف جبل لبنان «نعوم باشا»، غير أن بعض المؤرخين رأوا بأن الساعي لبنائها هو قائمقام الشوف «مصطفى أمين إرسلان» وذلك في عهد «عبد الحميد الثاني» آخر سلاطين العثمانيين، الذي، يذكر على أكثر الصروح المعمارية في لبنان من مساجد وأسبلة، وهذا ما تؤكده لوحة باقية على المبنى وفيها تأريخ للبناء.
اللوكندة والخان
واللوكندات، في بيروت، كما في طرابلس وصيدا، تكاد تجسد التراث المعماري اللبناني الذي ساد فترة ما بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية ودخول لبنان مرحلة الانتداب الفرنسي، حيث انتشرت في هذه المدن، ما بات يعرف شعبيا بـ «اللوكندة».
أي الفندق أو النزل وأحيانا اشتهرت بالبنسيون، وبعضها ما زال يعمل حتى اليوم، وزبائنها معروفون من الطبقات الشعبية الفقيرة، في حين أنها شكلت حتى خمسينات القرن الماضي فنادق الطبقة المترفة، وأيضا مكان إقامة السياح الأوروبيين، إذ كانت تتضمن كل وسائل الراحة بمفهوم هذه المرحلة.
واللوكندة من حيث الهندسة لا تختلف كثيرا عن البيوت اللبنانية المترفة، ودائما بمفهوم بدايات القرن العشرين: واجهة مزخرفة على الطريقة العثمانية والعربية، تطل على مدخل واسع يشكل صالون الانتظار للزبائن بانتظار تسجيل أسمائهم عند المنصة الخشبية بلونها البني وصولا إلى غرف فسيحة تضم سريرا أو أكثر حسب طلب النزيل تتوسطها مرآة كبيرة.
هذا من الداخل، أما الهندسة الخارجية، فكل اللوكندات تكاد تتشابه أو تكون واحدة. بعضها شيد بأجود أنواع الحجارة الرملية، في حين تحول البعض الآخر إلى الاسمنت الذي بدأ يأخذ طريقه إلى الاستعمال توفيرا للوقت والمال، إنما على شيء من الديكورات التي تميزت بها لوكندات فلورنسا الإيطالية أو اسطنبول وحلب.
اليوم، ومع انتشار الفنادق في عموم لبنان، تبدو اللوكندات أشبه بعجوز مخدرة، بلا أثاث ولا خدم ولا نزلاء. وإذا لاحت بعض المعالم الباقية في كل من طرابلس وصيدا، ذلك أن لوكندات بيروت اختفت تماما، فذلك للتذكير بأن هذه الأماكن كان يمكن أن تشكل من خلال دراسة بنائها وهندسته الخارجية والداخلية أحد المراجع لدراسة بيوت لبنان وفن العمارة فيه.
الخانات منتجعات
سرى القول على لسان المعمرين في لبنان أن الخان واللوكندة واحدة في الخدمات والتقديمات، وهذا يغاير الواقع، ذلك أن الخانات واللوكندات تختلف في وجوه كثيرة، أكان ذلك في تصميمها الهندسي أم على صعيد الوظيفة.
وإذا شئنا وصفاً أدق لوظيفة الخان، أمكننا القول انه كان مقرا ثابتا للقناصل والسفراء وثكنة للعسكر ومركزا للدسائس والمؤمرات والانقلابات. وفي المحصلة، فإن الخان والذي قام غالبا خارج المدينة، فهو نتاج مباشر لظهور المدن، إذ لم تعرفه البوادي حيث كان إطعام الضيف مجانا تقليدا يعيب من لا يتقيد بشرفه.
في القرن السادس الهجري، كثرت الخانات في بغداد واعتبرت من العمارات العظيمة. وقال فيها «غياث الدين عبد الله فتح الله البغدادي» واتفق في زمن السلطان أويس عمارة عظيمة لم تتفق في دور أحد السلاطين مثلها، منها المدرسة المرجانية ودار الشفاء وأسواق وخانات عمرها «مرجان آغا».
فيوليت غبرو


