يصعب أن يتوارى في اللاشعور، فهو الزمن الجميل الذي ترك بصماته وأيضاً ذكرياته ومحاولة لمعايشته واستحضار مفرداته، ترك ذلك كله بداخلنا، وفي بؤرة الشعور، ومساحة غير قليلة في القلب والوجدان. ولأن الرحيل كلمة موجعة، فهو زمن لم يرحل عن محبيه، زمن النغم الوقور، والفخامة والاعتزاز بالذات والمظهر.. زمن أبجدية مفرداته العيش بكل معاني الإنسانية الجميلة.
ضمن مفرداته المظهرية والجوهرية أيضاً، مظهر الإنسان في أجمل صوره، فأفرز هذا الزمن واحدة من أعراق الصناعات، وهي صناعة «الطرابيش».. إحدى سمات جمال المظهر في زمن وقور. بدأت صناعة الطربوش في حي الحسين بالقاهرة، وهو من الأحياء التاريخية والسياحية التي يصعب وجودها في أي من العواصم العربية، باستثناء القلة منها، مثل المغرب ودمشق.
كيف يصنع الطربوش قديماً؟ له خصوصية متفردة في طريقة صنعه وأيضاً في المواد التي يصنع منها، يقول عبدالهادي أبو طربوش وهو حفيد للحاج عبدالهادي حسنين من كبار صنَّاع الطربوش في الحسين ومنطقة الأزهر في الثلاثينيات من القرن الماضي، يقول عبدالهادي أبو طربوش نسبة إلى انه من القلائل الذين يصنعونه بعد جيل الرواد في هذه الحرفة، ومن هنا لقب بأبي طربوش، يوضح أن المواد المستخدمة في صناعة الطرابيش هي نوع القماش النمساوي الأصيل المعروف باسم القطيفة والجوخ.
ويصنع «الشرابة» الخاصة بالطربوش من أفضل أنواع الحرير الطبيعي الأسود الناعم، وألوانه تتفاوت فيما بين الأحمر القاني وهو مخصص للكبار في السن والمقام، وخاصة باشاوات هذا الزمن الجميل، والذين كانت تكتمل زينتهم بوضع زهرة من زهور القرنفل في نفس لون الطربوش، تثبت بوقار خاص داخل عروة السترة السوداء أو الرمادي الداكن. ويطل الباشا من نافذة سيارته المميزة بطلة تعكس جمال ووقار من كان هذا الزمان مسرحاً لهم، وأحياناً يطل من تحت «كابون» الحنطور الذي يجر عربته جياد عربية أصيلة تزدان بالنحاس الرقيق اللامع، فكان المشهد والزمن والأفراد المميزين!
أما اللون الأحمر الفاتح من الجوخ، أو القطيفة المقواة بأقمشة خاصة كانت الطرابيش تصنع منها للصغار الذين ينحدرون من عائلات عريقة، يرتدونها في المناسبات كالأعياد والاحتفالات العائلية مثل ولادة مولود جديد، أو السفر للخارج للسياحة، أو الذهاب للعزبة مع الأهل، وغالباً ما تكون زيارات فجائية لتقصي أحوال الأبعاديات الإقطاعية وقتذاك.
ويضيف عم عبدالهادي طربوش حسبما ينادونه بأن مقاسات الطرابيش تؤخذ حسب مقاس وشكل الرأس بواسطة «مازورة» (وحدة قياس)، وكان القماش يعتبر تفصيلة يكتب على قطعة نحاسية يأخذ معها الشكل المتعارف عليه الطربوش، وكان هناك ارتفاعات وأحجام مختلفة حسبما يطلب العميل. أما طريقة ارتدائه فتتمثل في جعل «الشرابة» الحريرية السوداء للخلف وهي الطريقة المصرية العريقة للحفاظ على إظهار ملامح الوجه وإبراز الوقار والهيبة.
ما هي رحلة بداية الطربوش؟
يقول أبو طربوش إن دخل مصر في ظل الدولة العثمانية وبالتحديد في عهد السلطان سليمان القانوني الذي أصدر مرسوماً بتعميم ارتداء الطربوش بالنسبة للرسميين من أبناء السلطة العثمانية، ثم انتشر بعد ذلك لأبناء الشعب، وأخذ مكانه فيما بعد على رؤوس «بكاوات» وبشاوات» مصر في أوائل القرن الماضي. وأين هو الآن، هل رحل مع رحيل الزمن أو بقي في الذاكرة والوجدان والقلب معاً؟
لم يرحل، فهو رمز وشكل ومفردات مكان وزمان في منطقة الحسين وخان الخليلي يتواجد كسلعة سياحية يشتريها السياح، وبقايا الناس الذين عشقوا زمناً ولى ليحتفظوا به في منزلهم كقطعة أثرية عريقة، كان يرتديها كبار هذه الأسر ومعه القرنفلة والعصا الأبنوسية السوداء اللامعة، والسلسة الذهبية تتدلى من عروة الصديري تنتهي بساعة ذهبية.
وفي المعصم مسبحة من الكهرمان أو بلون «فيروز الشطآن» يكثر عليها التسبيح خاصة وقت جني محصول القطن والفواكه وقصب السكر على امتداد النظر في حقول مصر الخصبة على امتداد النظر..
انتقل الطربوش لمرحلة أخرى في مصر، فقد أخذ مكانه في كواليس المسارح واستوديوهات تصوير الأفلام والمسلسلات التي تدور أحداثها من زمن الطربوش، فبعد أن كان يرتديه البشاوات الأًصليون يومها وفي دوائر الضوء ومكاتب إدارة أعمالهم، أصبح الطربوش ينتظر فوق رأس الفنان كلمة «أكشن»، ليبدأ به التصوير، ويحلق بعد سماع كلمته «ستوب»!
والطريف أن أعضاء مجلس النواب أو البرلمان في مصر قديماً كان يشترط دخولهم المجلس الموقر بأن يرتدوا الطربوش وأن يكونوا من العائلات العريقة وقتذاك مثل عائلة سعد باشا زغلول الزعيم الوطني الكبير وفكري أباظة رئيس تحرير مجلة المصور وقتذاك وطه حسين ومصطفى لطفي باشا والجمال.
واستقر الطربوش على صفحات روايات نجيب محفوظ وخاصة في الثلاثية، فكان أولاد «سي السيد» يرتدونه ربما مقلدين والدهم حسين يحتفظ بوقاره وجدية طباعه داخل منزله أمام الأولاد وزوجته أمينة التي كانت ضمن مهامها التي تقوم بها في صمت وطاعة وولاء، تنظيف الطربوش وتلميع قماشه بطريقة معينة باستخدام قطعة من قماش الصوف الإنجليزي الفاخر.
كما استقر أيضاً في روايات نجيب محفوظ فوق رؤوس كل الدارسين بالأزهر الشريف وحتى المدارس الثانوية كمدرسة الخديوي والإبراهيمية. أما في روايات إحسان عبدالقدوس، فكان الوجيه الأمثل يرتدي الطربوش والذي ينحدر من الأسر الأرستقراطية التي تخصص عبدالقدوس في الكتابة عنها وعما يدور في كواليسها..
وقد تم ذكر الطربوش كذلك في كلمات الأغاني التي ألفها كبار كتاب الأغنية في الزمن الجميل مثل أغنية «عاوج الطربوش على ناحيته.. وما حدش قدّه»! وهي من الأغاني المشتركة «الديوتو» بين المغنية سعاد محمد وإسماعيل يس في أفلام الأبيض والأسود. ومن الطريف أيضاً أن الطربوش استقر في محلات شارع محمد علي وهو شارع الفن الأصيل، وكان المنتجون وقتذاك لا يشترونه وإنما يؤجرونه لظهور الممثلين به في مشاهد معينة.
المسلسلات الحديثة أيضاً تستخدم الطربوش حالياً لتمثيل أدوار مميزة، مثل دور الملك فاروق وغيره ممن رحلوا تاركين بصمة فنية عبر مسلسلات نتوق إليها. والأسواق القديمة في دمشق شهدت كذلك صناعة الطرابيش في زمن جميل أيضاً، من أهمها سوق «المرجة» و«الميدان» وغيرهما، وهذه الصناعة في دمشق ذاع صيتها إلى الحد بأن الأسر العريقة كانت تجلب قماش الجوخ من تركيا والنمسا وانجلترا خصيصاً لصناعة الطربوش الدمشقي.
وكان يعكس الطربوش الدمشقي الذي تميز بالتطريز بالخيوط الذهبية على حوافه ـ كان يعكس رمزاً اجتماعياً وثقافياً خاصاً لمناخ مرحلة من مراحل دمشق بصفة خاصة. وأيضاً زبائن شراء الطربوش السوري هم العاملون في مجال الإنتاج التلفزيوني، والفلكلوري الشعبي.
وهناك ـ في دمشق ـ حتى الآن ـ تجار مصرون على صناعة الطرابيش، ولكن نقلوا أدوات صناعتهم بمبنى صغير داخل «فناء» منزلهم المبني علي طريقة المعمار الدمشقي القديم الذي تتوسطه نافورة مياه تزيد من جمال المكان وخصوصيته.
وفي سوريا كان يحظر على الطالب أياً كان مستواه الاجتماعي الذهاب إلى المدرسة والجامعة بدون ارتداء الطربوش، وكذلك الموظف في دوائر العمل المختلفة، وكان تصنع في سوريا «شماعات» خاصة لوضع الطربوش عليها حتى لا يتلف شكله وللحفاظ عليه أيضاً.
وماذا بعد؟
الكثير والكثير عن حكايات وتاريخ وثقافة الطرابيش فمنها من سافر لعاصمة الضباب لندن ليستقر في كبريات محلاتها العريقة، فالصلة وطيدة فيما بين الطربوش والمستعمر البريطاني لمصر على سبيل المثال قبل الجلاء عنها.
فمازال أناس من بقايا أحفاد عائلات عريقة في مصر يشترونه من محلات لندن ضمن قائمة مشتريات تقلصت كثيراً عما كانت عليه من قبل، أثناء جولاتهم السياحية والعلاجية. في «بازارات» ومحلات الفنادق في الأماكن السياحية بالقاهرة.
للطربوش حضوره القوي كسلعة أثرية يتهافت عليها السياح وأهل البلد والطريف أن الترويج للطربوش في كبريات الفنادق يأخذ أسماء كبار باشاوات الزمن الذي لا ينزوي أبداً في مساحة رمادية في اللاشعور والكثير من السياح يرتدونه على امتداد الشواطئ بدلاً من القبعات لحمايتهم من وهج الشمس في منتصف يوم جميل، أما في المساء ترتديه الأجنبيات في حفلات السمر والحفلات التنكرية تحت شعاع فضي لقمر مكتمل في ليلة 14.
حفلات الرقص بالتنورة، هي رقصات لها فلسفة خاصة يفسرها البعض بأنها ترمز لمركز الكون والدوران حوله، ويرجع تاريخها للصوفية، ويعتمر الراقصون الطربوش الخاص بهم حيث يتميز بارتفاعه وكبر حجمه عن الطربوش العادي. وتؤدى هذه الرقصات الإيقاعية بحرفية عالية جداً متوارثة أباً عن جدّ ـ تؤدي في الفنادق وحلقات الذكر والأفراح.
لن نقول وداعاً لطربوش النخبة وعلية القوم، لأنه راسخ في الذهن والقلب كرسوخ زمنه الذي لا تصلح كلمة الوداع له، لأنه حي بداخلنا، منه نستمد الاستمرارية، به نهمش الزيف والإدعاء في مساحة زمانية تتأرجح فيما بين الأصل والتقليد.. ترى لمن يكون البقاء؟!
أصل الطربوش
تذكر الروايات أن أصل الطربوش مغربي، وأنه عُرف هناك كغطاء للرأس منذ قرون طويلة جدا، ومن أقدم الروايات التي وصلت عنه، رواية المقدسي، ذلك الجغرافي العربي الذي عاش في القرن العاشر الميلادي، فقد روى أن أهل فاس في المملكة المغربية، يغطون رؤوسهم بطاقية حمراء. وبعد المقدسي بستة قرون، جاء حسن الوزان المعروف باسم ليون الأفريقي، وهو من أهل القرن السادس عشر الميلادي، فقال إن أهل فاس من أصحاب المقامات يغطون رؤوسهم بطاقية مصنوعة من اللباد الأحمر.
وكانت تونس تصنع أفضل أنواع الطرابيش، وكانت واحدة من أهم صادراتها. والطربوش كان له لونان رئيسيان يستعملان في كل من مصر وسوريا ولبنان وفلسطين، وهما الأحمر الداكن، (الخمري اللون)، وكان يلبسه المتقدمون بالعمر، والأحمر الفاتح، وكان يلبسه الشباب، وكان الطربوش المصري أقصر من الطربوش الشامي.
الطربوش الدمشقي
صناعة الطرابيش شهدت ازدهاراً في الأسواق الدمشقية القديمة خصوصاً في «الميدان» و«المرجة»، وهذه الصناعة التي ذاع صيتها إلى حد أن الأسر العريقة كانت تجلب قماش الجوخ لصناعة الطربوش خصيصاً من تركيا والنمسا وانجلترا، وكان الطربوش الدمشقي يتميز بالتطريز بالخيوط الذهبية على حوافه ويعكس بعداً اجتماعياً وثقافياً خاصاً بمناخ مرحلة من مراحل العاصمة السورية دمشق بصفة خاصة.
منى مدكور



