بصفتي كاتبا، فإني أهتم أكثر بما يقوله الناس لأنفسهم عما جرى، بدلا من حقيقة الحدث«، قال كازوو إيشيغورو الأديب والروائي البريطاني الياباني الأصل، الذي يعتبر من أهم الكتاب في بريطانيا وخارجها، والذي فاز بمعدل جائزة عن كل رواية نشرها، وأهمها جائزة بوكر الأدبية عن روايته »بقايا النهار« عام 1995.

ولد إيشيغورو في ناغازاكي في 8 نوفمبر عام 1954، وغادرت عائلته إلى بريطانيا عام 1960. درس في الجامعة الأدب والفلسفة وتخرج عام 1987 ثم درس الكتابة الإبداعية وتخرج عام 1980 ومارس عدة أعمال خلال دراسته، وحصل على الجنسية البريطانية بعد عامين. منذ عام 1982 تفرغ للكتابة، وبعد نشره لمجموعة قصص قصيرة قبل عام نشر روايته الأولى »مشهد باهت للتلال«، وتم ترشيحه في العام التالي من قبل مجلة »غرانتا« كواحد من أهم عشرين كاتبا بريطانيا شابا.

ويحكي في روايته الأولى عن كارثة قصف ناغازاكي بالقنبلة الذرية دون التطرق إليها بصورة مباشرة، ويركز على الجانب النفسي من الكارثة. حازت تلك الرواية على جائزة ذكرى وينفريد هولتباي عام 1983. وروايته الثالثة »بقايا النهار« نشرت عام 1989، وتدور أحداثها في بريطانيا، وهي روايته الأولى التي لم يتناول فيها موطنه الأصلي. وقد حولت الرواية إلى فيلم حاز على عدة جوائز، مثَل فيه كل من أنتوني هوبكنز وإيما تومبسون.

كتب إيشيغورو معظم رواياته بصفة المتكلم مع انفتاح شخصياته، مستخدما تقنية تعبير الشخصيات عن مشاعرها من خلال السماح للقارئ بولوج أعماقها خلال تفاعلها مع الأحداث ورؤية عيوبها وسلبياتها مما يولد لدى القارئ شعورا بالشجن والتعاطف. تتناول رواية »بقايا النهار« أبعاد إحساس الفرد بالمسؤولية والواجب والتفاني ومدى توازنها مع الحياة الشخصية. وتدور أحداثها في بريطانيا في المرحلة التاريخية بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. وبطل العمل والراوي ستيفنس، كبير الخدم الذي وصل خريف العمر ويعمل في بيت دالنغتون العريق منذ ثلاثين عاما، ويأخذ عمله بمنتهى الجدية والالتزام بصفته محور حياته.

تبدأ الأحداث مع قيام ستيفنس برحلة داخل بريطانيا، وذلك بعد أن أقنعه سيده الأميركي الجديد فارادي بأخذ إجازة، نظرا لسفره لعدة أسابيع. لم تكن فكرة الرحلة واردة عنده ما لم يقنعه سيده بأخذ سيارته والترويح عن نفسه من جهة، واستلامه رسالة من مدبرة المنزل السابقة الآنسة كينتون التي أخبرته فيها باضطراب زواجها ورغبتها في العودة للعمل.

كانت هذه الرحلة بمثابة مساحة للتأمل ورصد ما مضى من العمر. وهي الأولى بالنسبة لستيفنس الذي لم يغادر مقر عمله إلا في حالات نادرة للقيام بمهام محددة فقط. أما دافع الرحلة التأملية فعائد لشخصية سيده الجديد المنفتحة والعفوية بعكس سيده السابق اللورد دالنغتون، ورسالة الآنسة التي عملت معه لعدة سنوات والتي كانت بساطتها وعفويتها ومحاولاتها لاختراق تحفظه في التواصل معها تثير حفيظته.

كانت أفكاره في اليوم الأول من الرحلة التي تستمر لمدة ستة أيام لتنتهي معها الرواية، تدور حول مواصفات كبير الخدم المتميز، وعلى رأسها صفة الوقار والتفاني والتكتم، والتي اكتسبها من والده الذي عمل ككبير للخدم أيضا، وكان شخصية شديدة التحفظ تمثل الشريحة الأوسع من المجتمع البريطاني.

أمضى ليلته في اليوم التالي في أحد النزل، حيث أعاد قراءته للرسالة مما استحضر ذكرى الكثير من المواقف المشتركة مع مدبرة المنزل الشابة التي غادرت عملها عام 1936 لتتزوج، وكذلك مع اللورد الذي كان يتعاطف حينها مع الألمان وهزيمتهم.

تعود إليه الذكريات بخطين متوازيين وبرؤية جديدة عبر الحاضر، اللورد وضيوفه من كبار المسؤولين من مختلف دول العالم ودوره السياسي البارز، في تخفيف العقوبات القاسية التي أنزلت بألمانيا بعد هزيمتها. والآنسة كيتون التي كانت تبادر بين الحين والآخر بهدف خرق جدران تحفظه والتواصل معه على صعيد الزمالة والصداقة.

يواجه في اليوم الثالث بعض الصعوبات في السيارة، مما يدفعه إلى لقاء مع أهل القرية الذين اعتقدوا إنه أحد السادة من خلال هندامه والسيارة. لم يحاول تغيير هذا الانطباع وكان شديد التحفظ بشأن سيده السابق الذي ارتبط اسمه بسمعة مشينة نظرا لتعاطفه مع النازيين.

وكان لجمال الطبيعة من حوله دورا في إعادته إلى فرديته كإنسان ليتحسس جمال الحياة من حوله، وفي ذات الوقت بداية إدراكه لما فاته من العمر. وفي اليوم الرابع يشتد حضور الآنسة كيتون في ذاكرته ويسترجع المواقف التي كانت تتطلع فيها إلى وصله والتقرب منه، وفي ذات الوقت وللمرة الأولى في حياته يكون انطباعا شخصيا عن حياة اللورد الماضية وقناعته أنه تم استغلاله من قبل هتلر وحاشيته.

يصل في اليوم السادس والأخير إلى قرية صديقته، وهناك ينتظرها بفارغ الصبر في الفندق. وفي اللقاء يشعر بالخيبة والإحباط لاستقرار حياتها الزوجية وعدم رغبتها في العودة. وكانت الصدمة المؤلمة له حينما طرحت تساؤلها الذي كان يراوده ضمنيا دون أن يصرح به حتى لنفسه، »كيف كانت حياتنا ستغدو لو أننا ارتبطنا«. هذا التساؤل أشعره بالفقدان والألم. وفي النزل باح بأفكاره لأول مرة لغريب حثه على التفكير قدما فيما تبقى من العمر والنظر إلى المستقبل. وعليه عاد ستيفنس وهو عازم على التعايش مع أفكار سيده الجديدة والمنفتحة.

رشا المالح

ralmaleh@albayan.ae

الكتاب: بقايا النهار

تأليف: كازوو إيشيغورو

الناشر: فينتيج 1990

الصفحات: 256 صفحة

القطع: المتوسط

The Remains of the Day

Kazuo Ishiguro

Vintage 1990

P. 256