حين يذكرالجاحظ وعلمه وفضله فلابدأن يذكر «ابن قتيبة» لما بين العالمين من تشابه في غزارة الإنتاج وعمق المعرفة والتأثير الكبير، إضافةً إلى أنهما عاشا في زمنين متقاربين. وابن قتيبة هو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري. ولد سنة 213 هجرية في بغداد، وفي بغداد كانت نشأته وحياة التلقي وكما أخذ «ابن قتيبة» فقد أعطى وأنتج بذلك قرابة ثلاثمائة كتاب، وقد توفي في بغداد سنة 276 هجرية..

أما كتابه «الأشربة» وذكر اختلاف الناس فيها فيعد من أشهر مؤلفاته رجع إليه معظم الأدباء الذين خاضوا في هذا الحديث. وكاد «ابن عبد ربه» أن يستوعب فصوله في كتابه العقد الفريد. ولما كانت مسألة الأشربة قد شغلت أمناء الشرع والفقه في أيام «ابن قتيبة» بين محلل ومحرم، كل يفتي بمبلغ علمه، وما وصل إليه من نصوص. فقد كتب مؤلفنا كتابه هذا مستنداً إلى أقوال الأئمة.

وقد ضم الكتاب: الاختلاف في الأشربة حجج المحرمين لجميع ما أسكر وحجج المحللين لما دون السكر ـ تبين غلط الفرق بالغلو ـ عدل القول في الشراب. يقول ابن قتيبة: قد أجمع الناس على تحريم الخمر بكتاب الله إلا قوماً من مجان أصحاب الكلام وفساقهم لا يعبأ الله بهم فإنهم قالوا: ليست الخمر محرّمة، وإنما نهى الله عن شربها تأديباً.

كما أنه أمر في الكتاب بأشياء. ونهى فيه عن أشياء على جهة التأديب، وقالا لو أراد الله تحريم الخمر، لقال حرّمت عليكم الخمر، كما قال (حرمت عليكم الميتة والدم..) وليس للشغل بهؤلاء وجه ولا تشقيق الكلام بالحجج عليهم معنى، إذ كانوا ممن لا يجعل حجة في إجماع وإذا كان ما ذهبوا إليه لا يخل على عاقل ولا جاهل، وأجمع الناس على أن ما غلا وقذف بالزبد من عصير العنب. من غير أن تمسه النار خمر، وأنه لا يزال خمراً حتى يصير خلاً.

واختلفوا في الحال التي يخرج بها من منزلة الخمر. إلى منزلة الخل. فقال بعضهم هو أن يتناهى في الحموضة حتى لا يبقى فيها مستزاد. وقل آخرون: هو أن تغلب عليها الحموضة وتفارقها النشوة. وهذا هو القول لأن الخمر ليست محرمة العين كما حرم عين الخنزير، وإنما حرمت بَعَرَض دخلها، فإذا زايلها ذلك العَرَض عادت حلالاً كما كانت قبل الغليان حلالاً. ويقدم لنا وهو الأديب، كثيراً من الشعر في أغراض مختلفة.

m_alfahed@yahoo.com