يبحث كتاب «قراصنة الرأسمالية» في دور صناديق الاستثمار وآليات عملها في الأسواق المالية، وقد اختار المؤلفان سولفيغ غودلوك وفيليب اسكاند تصدير عملهما بجملة قالها ذات يوم الكسندر دوما الروائي الشهير ومؤلف رواية «الفرسان الثلاثة» ، «الصفقات التجارية -البزنس» هي ببساطة أموال الآخرين .

يشرح المؤلفان كيف أن «صناديق الاستثمار» التي تأخذ تسميات عديدة تتلاعب بمليارات الدولارات كل يوم، ولكن هذه «المليارات» ليست ملكا لها، وإنما تعود في واقع الأمر لأثرياء من الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة أو من المتقاعدين الكاليفورنيين أولأصحاب ثروة عرب أو حتى لمجرد عمّال صينيين.

كانت هذه الصناديق قد اكتسبت ثروات طائلة خلال فترة قصيرة من الزمن، بسرعة البرق ، حسب التعبير المستخدم. وهي بمثابة نتاج مباشر لعاملين أساسيين استجدّا خلال العقود الأخيرة وهما عولمة الأسواق وتكنولوجيا المعلوماتية. واستطاعت أن تكتسب قوة كبيرة بحيث أنها تتحكم اليوم بالأسواق إلى حد كبير مما يجلب تحولات عميقة في الرأسمالية العالمية التي لم تكن طيلة تاريخها مهتزة إلى الدرجة التي هي عليه اليوم .

هذه الصناديق تابعت صعودها وتعزيز مواقعها في أسواق رأس المال العالمي حتى الأزمة المالية التي عرفها صيف عام 2007 التي كانت بمثابة الشرارة الصغيرة التي كادت أن تشعل النار في عالم المال«. وكان مصدرها بالتحديد هو «منطق تسيير» الأموال المتحركة التي لا تعود ملكيتها لأولئك الذين يتصرفون بها. وكان مصدر الشرارة الحقيقي هو صغار المستهلكين الأميركيين.

لم تؤد تلك الشرارة إلى إنهاء سطوة الصناديق المعنية، ولكنها هزّت الثقة المفرطة فيها. هذا في الوقت الذي كان ينتظر فيه الكثيرون أن تأتي الشرارة من الصين، عبر عملية بيع كبيرة لسندات الخزينة التي تمتلكها في الولايات المتحدة الأميركية، أو من «وول ستريت» لسوق البورصة الأميركية، وعبر عمليات مضاربة غير متوقعة.

هذه الصناديق يطلق عليها المؤلفان صفة «قراصنة الرأسمالية» ، كما يصفان القائمين عليها بـ «البرابرة» ، وذلك من حيث أنها تؤدي في النتيجة إلى هز استقرار الأسواق المالية التي جاءت أصلا من أجل استقرارها.

إن هذه الصناديق تتصرف بالمليارات من الدولارات التي تعود إذن للآخرين. وقد وصلت المبالغ التي يتصرف بها صندوق كلابير في كاليفورنيا بأميركا إلى 245 مليار دولار، مثّلت أساسا حصيلة وفورات متعاقدين كانوا قد عملوا لدى الحكومة. ولفهم آليات عملها يقدّم المؤلفان العديد من الأمثلة.

ويدل أحدها على حالة سينتيا وزوجها «جوي اسبيرانزاس» اللذين كانا قد اشتريا منزلا في سان فرناندو بكاليفورنيا، واقترضا لذلك قبل ثلاث سنوات أكثر من 300000 دولار لدى مؤسسة مختصّة بالقروض لشراء عقارات ومنازل. خطأ «سينتيا» و جوي الكبير هو أنهما لم يقرآ جيدا التفاصيل الصغيرة الموجودة على هامش عقدهما.

كان معدّل فائدته هو 1 بالمائة فقط في الشهرين الأولين ثم كان منه أن يتصاعد وصولا إلى حوالي 9 بالمائة وحتى 10 بالمائة عند نهاية فترة العقد. هكذا وبعد ثلاث سنوات من دفع الفوائد فقط أصبحت قيمة قرضهما هي 000 344 دولار انطلاقا من 000 326 دولار عند البداية. والقاعدة واضحة في الولايات المتحدة تقول: إذا لم يتم دفع المبالغ المستحقة على القرض لفترة ثلاثة أشهر متتالية يمكن للدائن حجز المسكن وبيعه .

ثم يشير المؤلفان إلى أنه في مطلع عام 2007 زادت نسبة عمليات الحجز على المساكن في كاليفورنيا وحدها بنسبة 800 بالمائة. وإذا كانت هذه الصناديق قد شهدت بدايات صعودها في الولايات المتحدة الأميركية فإنها نقلت نشاطاتها سريعا إلى بلدان أخرى في مقدمتها انجلترا وفرنسا. إن المؤلفين يكرسان فصلا كاملا لبلادهما فرنسا تحت عنوان «اجتياح فرنسا ».

ويؤكد المؤلفان أن الذين ساعدوا على انتشارها في فرنسا ليسوا فقط من مجموعات المضاربة والمال وإنما أيضا من بين رجال السياسة. هكذا «خلال عشر سنوات بلغت قيمة الأموال المستثمرة من قبل الصناديق الاستثمارية وصناديق المضاربة الفرنسية عشرة أضعاف ما كانت عليه سابقا. وأصبحت فرنسا بذلك هي ثالث بلد في العالم من حيث استقبال رؤوس الأموال بعد الولايات المتحدة وانجلترا».

وما يؤكده مؤلفا هذا الكتاب هو أن مدراء الصناديق قد يمارسون أحيانا مختلف أنواع الضغوط على الشركات التي «يطمحون» بها. وهكذا تعرّضت مجموعة فيفاندي إلى ضغوط كبيرة خلال السنوات الأخيرة، كما يشرح المؤلفان بالتفاصيل.

تحالف بين الصناديق

تسيطر الصناديق الاستثمارية في فرنسا على 5000 شركة يعمل فيها ما يزيد على 1. 5 ملايين شخص، أي أكثر مما يشغّله أرباب العمل الذين يتم تداول أسهم شركاتهم في البورصات. وهنالك «تحالفات» بين بعض الصناديق الأميركية وبعض أصحاب رؤوس الأموال الفرنسيين العريقين.

الكتاب: قراصنة الرأسمالية

تأليف: سولفيغ غودلوك، فيليب اسكاند

الناشر: البان ميشيل - باريس 2008

الصفحات: 263 صفحة

القطع: المتوسط

Les pirates du capitalisme

Solveig Godeluck، Philippe Escande

Albin Michel- Paris 2008

P.263