يقترح دانييل روندو في كتابه «قرطاج» على القارئ قصة تاريخ تلك المدينة وما أحاط بها من أساطير، حيث يبدأ المؤلف حديثه عن قرطاج المدينة بالطريقة التي كانت فيها الروائية مرغريت يورسنار ـ أول سيدة فرنسية أصبحت عضوا في الأكاديمية الفرنسية ـ قد كتبت روايتها الشهيرة بعنوان »مذكرات هدريان«، آخر أباطرة روما عندما ذهبت وعاشت لمدة سنوات في خرائب قصره وكتبت أثناءها »مذكراته«.
قام دانييل روندو بجولات في خرائب المدينة «الزائلة» قبل أن يقترح على القارئ سرد قصتها وتاريخها وأساطيرها. إنه يقوم في واقع الأمر بإعادة قراءة ما كان قد كتبه مؤرخون من أمثال هيرودوت وتوسيديد وبوليب وغيرهم، وما كتبه أيضا أدباء ليس أقلهم شأنا كفيرجيل وسانت اوغستان وغوستاف فلوبير. وهذا كله من خلال نظرة الكاتب الخاصة. إنه يقدم بنوع من خلط ذكريات الماضي البعيد مع مشاهدات مثلت أمامه وهو على أرصفة مقاهي «سيدي بوسعيد» في تونس. يبدأ الكتاب بجملة كان فلوبير قد بدأ بها عمله الشهير »سالامبو« تقول: كان ذلك في ميغارا، البلدة القريبة من قرطاج، وفي حدائق هاميلكار.
ثم يكمل المؤلف وصف الأمكنة في ذلك الصباح الباكر وجمال المشاهد وكأنه دليل سياحي متمرّس. إنه يتوقف عند قرطاج، المدينة الميتة اليوم بالمقارنة مع العظمة التي كانت قد عرفتها سابقا إذ كانت الأكثر عظمة و الأكثر إثارة للخشية في العالم القديم. لقد دمّرها الرومان وتعاقب عليها غزاة كثر، لكنها ظلت دائما حاضرة و باهرة.
هذا ما يصفه دانييل روندو بالقول: في صمت قرطاج دعونا نستمع إلى هذا القلب الذي لم يتوقف أبدا عن النبض. إنه يعلّمنا عدم محاولة طمس التاريخ، فالليل القاسي لا يبتعد أبدا عن النهار . إن المؤلف يصطحب القارئ إلى صمت قرطاج التي يصفها أيضا أنها مدينة التضحيات الإنسانية ومنافسة روما فهي المدينة التي جرى تدميرها وإزالتها من الخارطة بناء على أوامر الإمبراطور الروماني سيبيون اميليان في القرن الثاني قبل الميلاد.
وكانت قرطاج قد أصبحت فيما بعد، وتحديدا في القرنين الثالث والرابع الميلاديين، أحد مراكز المسيحية. وفي هذه المدينة التقى باستمرار الشرق والغرب وتقاتلا وتحابا وتبادلا النقاش ، كما يؤكد روندو. وتقول الأسطورة أيضا أن اليسار التي دعاها الرومان فيما بعد بالملكة ديدون ، كانت ابنة ملك صور لكنها غادرت المملكة عندما قام أخوها بجماليون بقتل زوجها سيشي كي يصل إلى السلطة.
وبعد محطة في قبرص وصلت اليسار و رجالها من البحارة وصحبتها من أسرتها، إلى الشواطئ الإفريقية (تونس حاليا). لقد طلبت من سيفاكس ، ملك المنطقة أن يمنحها أرضا بمساحة جلد ثور كي تقيم عليها مملكتها . وافق لها على ذلك متعجبا من الطلب فما كان منها إلا أن حوّلت جلد الثور إلى خيط رفيع يستطيع أن يضم المساحة التي قامت عليها مدينة قرطاج . ويشير المؤلف هنا إلى أن هذه الأسطورة وجدت صداها في الأدب حيث تُطلق على القرطاجيين تسمية أبناء ديدون ، أي اليسار لدى الرومان.
وما يتم تأكيده هو أن قرطاج كانت قد أصبحت قوة مسيطرة في الجزء الغربي من حوض البحر الأبيض المتوسط خلال القرن الرابع قبل الميلاد. وكانت قد استولت على إسبانيا وكذلك على جزيرة صقلية فيما بعد حيث كان الصدام مع الرومان. والقرطاجيون هم الذين أدخلوا على حوض المتوسط صناعة السيوف القصيرة فالمحاربون كانوا يستخدمون قبل ذلك الرماح والمقاليع.
استمرت الحرب بين قرطاج وروما طويلا. لقد بدأت في القرن الثالث قبل الميلاد وانتهت بانتصار الرومان وتدمير قرطاج عام 146 قبل الميلاد. هنا يشير دانييل روندو إلى أن الإمبراطور الروماني سيبيون ، الذي كان وراء تدمير المدينة، قد ذرف الدموع أمام أطلالها.
إن هذا الكتاب ليس تأريخا أكاديميا لقرطاج إذن، وإنما هو بالأحرى «تأملات» حول التاريخ والمؤرخين والحروب التي لا تخمد حتى تشب من جديد. وهو أيضا كتاب عن الحاضر الراهن، وتحديدا عن العلاقات بين الغرب والشرق. وتزداد راهنيته في هذا الوقت الذي يتعاظم فيه الحديث عن الاتحاد من أجل المتوسط .
ازدهار بعد التدمير
إن قرطاج أزدهرت بعد تدميرها، لكنها كانت لم تعد مدينة »هنيبعل« وآلهة الفينيقيين الأخرى وإنما غدت مسيحية، بل و روما الإفريقية كما يصفها المؤلف أنها أصبحت آنذاك أحد أكبر العواصم الروحانية الكبرى للغرب. وكان العرب المسلمون قد وصلوا عام 698 إلى ما أصبح تونس فيما بعد واعتبارا منذئذ اتجه الاهتمام نحو مدينة تونس المجاورة التي أعطت اسمها للبلاد كلها، بل ولجزء هام من شمال القارة الإفريقية.
المؤلف في سطور
دانييل روندو، كاتب فرنسي، قدّم العديد من الكتب التي كرّس بعضها ل»زيارة« مدن حوض البحر الأبيض المتوسط، فهو من »عشّاق« هذا البحر، كما يقال عنه. وكان قد كرّس ثلاثة من كتبه لمدن متوسطية هي طنجة المغربية والإسكندرية المصرية واسطنبول التركية. وله العديد من الكتب الأخرى مثل »يوميات 1999-2006« و»في مسيرة الزمن«، الخ.
الكتاب: قرطاج
تأليف: دانييل روندو
الناشر: نيل - باريس 2008
الصفحات: 192 صفحة
القطع: المتوسط
Carthage
Daniel Rondeau
Nil - Paris- 2008
P.192

