يؤكد ماريو فارغاس لوسا أنه أعاد قراءة « البؤساء » خلال سنوات السبعينات من جديد بعدما كان قد قرأها في ربيع العمر وتركت أثرا على مسيرته الابداعية. وكان الاكتشاف الكبير أن البؤساء ليست مجرّد رواية مغامرات ولص شريف اسمه جان فالجان وفتاة صغيرة رائعة اسمها كوليت. العمل أكبر من هذا كله بكثير إنه من بين تلك الكتب التي لا تتم كتابتها سوى مرة واحدة ثم لا تتكرر.

إنه تجسيد لحياة بكاملها، بل وللتجربة الإنسانية. هذا إذا لم يتم القول لما هو أبعد من التجربة الإنسانية.يشير لوسا في هذا السياق إلى أن فكتور هوغو كان يتحدث عن البؤساء وكأنها دراسة في الدين. كان ماريو فارغاس لوسا قد كتب في عام 1978 عن رواية مدام بوفاري لمؤلفها غوستاف فلابير في كتاب حمل عنوان الصخب الأبدي . وهو يعود اليوم ل« اقتراف» نفس الفعل حيال البؤساء لفكتور هوغو. تجدر الإشارة إلى العنوان الذي اختاره لوسا هو اقتباس ، يصرّح به، لجملة كان قد وصف بها الشاعر لامارتين رواية البؤساء بأنها «إغراء المستحيل». ولا يتردد لوسا في أن يصف البؤساء أنها أحد تلك الأعمال التي تحث البشر إلى امتلاك رغبة قيام عالم أكثر عدلا وأكثر جمالا ويصف مؤلفها أنه فكتور هوغو المحيط .

ويمثل كتاب «إغراء المستحيل» دعوة لإعادة قراءة «البؤساء» بتقديم لوسا. إن القارئ يعيش من جديد مع اللص (السابق) جان فالجان ورجل الشرطة جافير وكوزيت وأسرة تيناردييه » المتآمرة وغافروش الطيب وغيرهم من الشخصيات التي أصبحت من بين أفراد أسرة كل بيت فرنسي بعد صدور البؤساء، وحيث كان إطلاق اسم كوزيت على الفتيات المولودات بمثابة موضة آنذاك.

ويرى لوسا أن فكتور هوغو قد استطاع أن يبيّن من خلال البؤساء أن الحياة الحقيقية صغيرة وبائسة بالمقارنة مع الواقع الرائع الذي تصيغه أعمال الخيال المكتملة، وحيث أن جمال الكلمات وأناقة التركيب وفعالية التقنيات تجعل ما هو أكثر قبحا وأكثر خسة يتألق كعمل فني ناجح .

إن ماريو فارغاس لوسا يتحدث عن فكتور هوغو بنوع من العرفان بالجميل وعن إعجابه وانسحاره وأنه مدين حيال »هذه الفوضى اللامتناهية حيث يتعايش ما هو أفضل مع ما هو أسوأ . وهذا ما يعبّر عنه بالقول أن الخيال الرائع يعطينا قوة تحمّل الحياة الحقيقية .

ويناقش المؤلف في هذا السياق أطروحات الشاعر لامارتين حول البؤساء والتي لم تكن رحيمة حيث تحدث عن خطر العبقرية واعتبر أن تلك الرواية أثارت الكثير من الألم لدى الشعب العادي باعتباره ليس من الصفوة. ماريو فارغاس لوسا اعتبر من جهة أن إغراء المستحيل هو بالتحديد ذلك الذي يكمن في دفع الخيال إلى درجة من الكمال يستطيع معها أن ينافس الواقع .

وعندما تتم القناعة أن هذا الواقع لن يتمكن من الوصول أبدا إلى مستوى الحلم فإن الحياة الحقيقية تغدو سجنا ويكون بالتالي شعور الحرمان رهيبا. هذا بالتحديد ما عناه لامارتين عندما كتب: إن المشاعر الأكثر رعبا والأكثر فتكا التي يمكن دفع الجماهير للإحساس بها هي الشعور بالمستحيل .

في هذا الكتاب يجد القارئ نفسه وكأنه يُبحر بين شاطئين ويريد بنفس الوقت أن يرسو في أحدهما، ذلك أن كاتبا كبيرا يكتب عن كاتب عملاق. وإذا كان فارغاس لوسا قد جعل من رواية البؤساء مادته الأساسية، فإنه ناقش عمليا على مدى صفحات هذا الكتاب مسألة الانتقال من الحياة الخيالية لشخوص البؤساء إلى الحياة الواقعية للبشر العاديين القرّاء. ومن الملفت للانتباه أن لوسا ينطلق في حديثه عن فكتور هوغو اعتبارا من سنوات منفاه في بلجيكا بعد خصومته مع نابليون الثالث. وحيث تبدو سيرة حياته نفسها نوعا من إغراء المستحيل .

وينقل المؤلف عن الكاتب والمسرحي الفرنسي جان كوكتو جملته الشهيرة القائلة: كان فكتور هوغو مجنونا يعتبر نفسه فكتور هوغو . لعلّ هذا هو خطر العبقرية الذي تحدث عنه لامارتين. ولكن هذه أيضا إحدى الوظائف الأساسية، إن لم تكن الوظيفة الأساسية الوحيدة للأدب، التي تثير الاهتمام وبنفس الوقت تثير الحذر. هنا يكتب ماريو فارغاس لوسا: لذلك يقال في إسبانيا أنه ينبغي الحذر دائما من مجنونة المنزل.

حسنا، مجنونة المنزل هي الأدب

« إغراء المستحيل» هو في المحصلة كتاب عن الرواية في القرن التاسع عشر رواية البؤساء صدرت عام 1862، وحيث دخل الخيال في صراع مع الحياة الواقعية . و « البؤساء» ، كما يراها لوسا في المحصلة ليست إعادة إنتاج الواقع وإنما خرق له نقبله بفضل ما يمتلكه من قوة للإقناع .

تأثير البؤساء

يعترف ماريو فارغاس لوسا أن البؤساء للكاتب الفرنسي فكتور هوغو هو عمل روائي كان من بين الأعمال التي قرأها وهو فتى يافع في الرابعة عشر من العمر و« بقيت« ماثلة في ذهنه. ويعترف أن تأثير رواية هوغو عليه كان كبيرا إلى درجة أنه غيّر سيرته الروائية التي كان قد خطّ توجهاتها العريضة .

المؤلف في سطور

أحد أشهر الروائيين المعاصرين في عالم اليوم، ماريو فارغاس لوسا، المولود في البيرو عام 1936 وتحديدا في بلدة «اركيبا» هو مؤلف عدد كبير من الروايات التي عرف بعضها شهرة عالمية وتمت ترجمتها إلى أهم اللغات العالمية. ولعلّ من أشهر أعماله المدينة والكلاب و البيت الأخضر و« حرب نهاية العالم و حفلة التيس ... الخ.

كان صديقا للرئيس الكوبي السابق فيدل كاسترو قبل أن يقطع معه« عام 1970. وفي عام 1990 كان مرشحا في الانتخابات الرئاسية لبلاده، واسمه يتردد كل سنة تقريبا منذ عشر سنوات لنيل جائزة نوبل للآداب.

الكتاب: إغراء المستحيل

تأليف: ماريو فارغاس لوسا

الناشر: غاليمار باريس 2008

الصفحات: 240 صفحة

القطع: المتوسط

La tentation de

l'impossible

Mario Vargas Llosa

Gallimard - Paris 2008

P.240