تقدم بيترا تين ـ دوشيت شو مؤلفة كتاب (الرجل الاكثر غرورا في فرنسا) صورة عن الفنان غوستاف كوربيه يختلط فيها الإيجاب بالسلب، والمدح بالقدح. فالرجل كان موهوبا بدون شك بل وعبقري، ولكنه كان أيضا متغطرسا أو معقدا بنفسه إلى أقصى الحدود.

ومنذ البداية تستعرض المؤلفة مراحل حياة وإبداع هذا الفنان قائلة: إن غوستاف فلوبير هو أحد الفنانين الأكثر سطوة وجبروتا في القرن التاسع عشر، فقد ولد عام 1819 ومات عام 1877 عن عمر لا يتجاوز الثامنة والخمسين. ومع ذلك فقد ملأ الدنيا وشغل الناس بلوحاته الفنية الخالدة التي لا تزال تعرض حتى الآن في مختلف متاحف العالم الكبرى. وقد كان غوستاف معاصرا للفلسفة الوضعية والمادية الصاعدة في ذلك القرن، وهي الفلسفة التي لا تؤمن إلا بالعلم الطبيعي والتقدم التكنولوجي. وكان يشاطر هذه الفلسفة معظم مبادئها وأهدافها.

وبالتالي كان مضادا للدين المسيحي وبخاصة المذهب الكاثوليكي الذي يمثل أغلبية سكان البلاد. ومعلوم أنه كان ضد الثورة وحركة التقدم، ومع العودة إلى العهد القديم البائد. وتضيف المؤلفة لقد شاعت عن غوستاف صورة الإنسان العنيف القاسي الفظ الطباع. ويبدو أن قصص استعلائه على الناس واحتقاره لهم أخذت تملأ الجرائد والمجلات في عصره. وتحولت إلى فضائح ونوادر يتسلّى بها الناس. ولكن الشيء العجيب الغريب هو أن رسومه الفنية لا تعكس إطلاقا مثل هذه الشخصية الفجة المتعالية على الآخرين. يحصل ذلك كما لو أن الرجل في جهة والفنان في جهة أخرى.

أو ربما كانوا قد كذبوا عليه وبالغوا في تشويه سمعته لغايات في نفس يعقوب. ربما كانت شهرته قد أزعجت الكثيرين فراحوا يطلقون الشائعات المغرضة ضده. أو ربما كان مصابا بفصام الشخصية (الشيزوفرينيا): أي الفنان في جهة كما قلنا، والإنسان في جهة أخرى. المقصود أن الفنان كان عبقريا ذا نزعة إنسانية كبيرة في لوحاته، والإنسان في حياة الواقعية كان متعاليا متغطرسا.

مهما يكن من أمر فإن عداءه للنزعة المثالية والرومانطيقية في الفن جعلت شخصا عبقريا كبودلير يتهمه بالوحشية. فقد قال عنه في احدى مقالاته النقدية بأنه يقوم بمجزرة حقيقية في الفن ويقضي على ملكات الإبداع لدى خصومه من الفنانين الآخرين. أو قل انه يقضي على ملكات الإبداع لديه هو بالذات من خلال تبنّيه لهذه الفلسفة الوضعية المادية التي لا ترحم الفن إذا انقطع عن المثاليات فقد بريقه وألقه وجماله.

كان الرجل يعرف قيمته وموهبته الإبداعية الخارقة. فعلى الرغم من أنه تأثر بالتراث السائد في فرنسا وعموم أوروبا إلا أنه حرص على أن يرسم بطريقة مبتكرة لا مثيل لها. وهذه هي سمة المبدعين الكبار. فالمبدع لا يمكن أن يكون مقلّدا للآخرين بشكل عبودي. وهو على عكس الفنانين الصغار ذو شخصية قوية لا بد وأن تنعكس في أعماله الإبداعية أو لوحاته الفنية. كل الشعراء الكبار تأثروا في البداية بمن سبقهم ولكنهم تجاوزوا هذا التأثر لاحقا. وهذا ما ينطبق على الفنانين أيضا.

ينبغي ألا ننسى أنه عاش في نفس العصر الذي عاش فيه فكتور هوغو، ومانيه، ومونيه، والمؤرخ الشهير ميشليه ولامارتين ودولاكروا وألفريد دوموسيه وجورج صاند وبرودون وكل زعماء الحركة الاشتراكية والثورية الفرنسية. وبالتالي فقد كان متأثرا بأفكار التقدم والتطور والثورة على الماضي.

وفي عصره كانت الحركة العمالية قد ابتدأت تتشكل في فرنسا بسبب ازدياد عدد المصانع هنا وهناك. وقد شاهد بأم عينيه الاستغلال البشع الذي يتعرض له العمال وعائلاتهم، وهذا ما أثار فيه مشاعر الغضب على الطبقة البورجوازية التي تستخدمهم وتستغلهم حتى آخر قطرة عرق أو دم من عروقهم. وكان موقفه من هذه المسألة الاجتماعية المهمة يشبه موقف فكتور هوغو بعد عام 1848. ومعلوم أن الشاعر الكبير انتقل في تلك الفترة من حزب المحافظين الأغنياء إلى حزب العمال الفقراء بعد أن شاهد مساكن العمال المزرية وحياتهم البائسة في مدينة »ليل« شمال فرنسا.

ولكن يبدو أنه طرأت على كوربيه في الفترة الثانية من حياته الفنية بعض المتغيرات والتطورات. فقد أصبح أقرب إلى الفردية وأبعد ما يكون عن الالتزام في الفن. وهذا ما صدم أصدقاءه القدامى فاتهموه ب(التبرجز) والابتعاد عن هموم الطبقة العاملة أو طبقة الفلاحين الفقراء.

ولكنه في الواقع لم يتنكر للمثل العليا التي آمن بها في شبابه. كل ما في الأمر هو أنه أصبح يستلهم الطبيعة في رسومه ولوحاته أكثر من ذي قبل. راح ينعزل ساعات وساعات في أحضان الطبيعة الخصبة والعذراء. وقد نتجت عن ذلك لوحات رائعة أقرب ما تكون إلى فن الانطباعيين والرومانطيقيين. نقول ذلك على الرغم من واقعيته في الرسم والتصوير. راح يصور الطبيعة في كل تجلياتها بمناظرها الخلابة وأنهارها وحيواناتها وطيورها ونزهاتها.

داعم للديمقراطية

ساهم غوستاف كوربيه إلى حد كبير في الحركة الديمقراطية الوليدة في فرنسا آنذاك. ودعمها بقوة إبداعه وعبقريته. ومعلوم أن الحزب الرجعي المحافظ كان لا يزال قويا في عهده ومضادا للثورة الفرنسية وحقوق الإنسان والمساواة بين البشر. وفي ذات الوقت قدم غوستاف مساهمة حاسمة للاتجاه الواقعي في الفن التشكيلي. بل وجعله ينتصر على ما عداه بفضل لوحاته التي نالت إعجاب الملايين وصدمت الملايين أيضا.

المثالية الرجعية

تبنّى المذهب الواقعي في فن الرسم التشكيلي ورفض الاتجاهات المثالية السائدة بل واعتبرها متخلفة ورجعية. وكان شرسا مع خصومه من الفنانين الآخرين الذين لا يشاركونه فلسفته في الفن والحياة.

الكتاب: الرجل الأكثر غروراً في فرنسا غوستاف كوربيه وثقافة الإعلام في القرن التاسع عشر

تأليف: بيترا تين دوشيت شو

الناشر: مطبوعات جامعة - برنستون 2007

الصفحات: 248 صفحة

القطع: المتوسط

The most arrogant man in France : Gustave Courbet and the nineteenth-century media culture

Petra Ten Doesschate Chu

Princeton University Press 2007

P.248