ليس تأسيساً للعدل ولا دحضاً للظلم، إنَّما بعثٌ حقيقي للصراع بين الخير والشر حتى ينتصر الخير، هو ما يحفل به مسرح فرحان بلبل حيث يذهب الناشر كما العديد من الكتاب الذين قالوا آراءهم في العرض المسرحي أو النص المسرحي الذي اشتغله فرحان بلبل تأليفاً وإخراجاً؛ بأنَّه واحد من الكتَّاب العرب الذين قدَّموا نصوصهم وهم يضعون في أذهانهم مجموعةً من الاعتبارات الفنية والجمالية والفكرية والاجتماعية التي تساهم في خلق الدراما العربية، وتنسجم مع الذائقة الجمالية العربية.
وقد التزم بهذه الاعتبارات في جميع النصوص التي كتبها والتي أعدَّها. ولذلك نجد في مسرحياته تنوعاً في الأساليب والموضوعات. فقد اتكأ على التراث العربي حيناً، وعلى الحياة المعاصرة حيناً آخر، وشغلته هموم المواطن العربي كما شغله تقديم النص الأدبي المحكم البناء.
كما نجد في مسرحياته التي أعدَّها عن نصوص عربية وأجنبية محاولة لتطويع النص العربي المعد لمتطلبات الدراما القوية، ومحاولة لجعل النص الأجنبي ينسجم مع طبيعة العصر الذي نعيشه، ومع طبيعة الدراما العربية.إذ تُعتبر «الجدران القرمزية» التي كتبها سنة 1968 أول مسرحية له وكان قد أخرجها للمسرح العمالي الذي أسَّسه عام 1969 في حمص.
وعن مسرحياته حيث كتب عنها العديد من النقاد والأدباء يعتبر د. رياض عصمت أنَّ فرحان بلبل في مسرحيته «الحفلة دارت في الحارة» يدين الإصلاح ويعتبره شراً يستنزف نفسه ثمَّ يجهز عليه لأنه يفصل بين الحب والخير، بينما تحمل الخاتمة صرخة ثورية تنادي بضرورة احتدام الصراع بين الكادحين والمستغِلين.
بينما يقول نبيل ملحم إنَّ مسرحيته «يا حاضر يا زمان» تتعرَّض للحاضر الراهن من خلال تعرُّضِها لطبيعة العلاقات التي تحكم الحياة والعمل في مجتمع السلطة، عن طريق الاعتماد على حدثٍ يشكِّل التوازن في البناء العام للمسرحية. بينما الألماني »بينكا« وهو بروفسور مسرحي يقول بعد مشاهدة مسرحية «لا ترهب حد السيف»: إنَّها مبنية بشكل جيد، ورغم أنني لا أفهم اللغة العربية، فقد وجدت كل شيء مفهوماً، فالصراعات قوية ومحمولة بدوافع قوية، وهذا شيء مهم جداً في العمل المسرحي.
أما عن مسرحيته «الجرَّة والقاضي» فيرى أكرم اليوسف أنَّ فرحان بلبل قد أزاح فيها جانباً العنصر الميتافيزيقي الذي يميِّز نص «فون كلايست»، ووضع مكانه خطاً واقعياً انتقادياً، وغلَّفه بموضوعةٍ معاصرة تماماً هي موضوعة النظام العالمي الجديد الذي يلعب دور القاضي والمجرم في وقت واحد.
وهي من المسرحيات التي أعدَّها فرحان بلبل عن نص عالمي والتي جمعها في المجلد الرابع مع مسرحية «جوهر القضية» ومسرحية «الجمجمة» لناظم حكمت، ومسرحية «تأخرت يا صديقي» عن نص «انسواهيروسترات» لغريغوري غورين، ومسرحية «قصيدة متوحشة» عن نص «من الحرية» لأمانويل روبلس، ومسرحية لتاجر يعود عن نص «تاجر البندقية» لوليم شكسبير.
وعن إعداده للمسرحيات يعتبر فرحان بلبل أنَّ الإعداد الذي قام به لهذه المسرحيات ليس مما يقوم به المخرج عادة من بعض الحذف والإضافة البسيطة حتى يناسب النص أسلوبه في الإخراج، وليس مما يقوم به(الدراما تورج) بديلاً عن المخرج في شأن الحذف والإضافة، بل هو تطويع النص المسرحي لشروط الزمان والبيئة في مكان العرض المسرحي العربي».
والأصل فيه أن نحافظ على الخط الأساسي لحكاية المسرحية، وأن نرفع من النص ما هو خاص بزمان ومكان الكاتب، وأن نضع بديلاً عنه ما هو خاص بزمان ومكان المشاهد العربي، وبهذا الشكل يصبح الإعداد تأليفاً جديداً معتمداً على نص قديم، وهو أمر شائع ومعروف في جميع آداب الأمم والشعوب منذ أقدم العصور، وهو وجه من وجوه الاستفادة من التراث الإنساني.
ثمَّ يذهب فرحان بلبل إلى القول: إنَّ الغاية الأهم من هذا كله في إعادة تأليف هذه النصوص هي أن نوجِّه غاياتها الفكرية النهائية في الموضوعات التي تهم مواطننا العربي من أقصى مشرقه إلى أبعد مغربه. وبذلك تدخل هذه المسرحيات في سياق حركة التأليف المسرحي، وتصبح جزءاً من التراث المسرحي العربي الذي يتداوله القرَّاء والمسرحيون العرب. ودليل ذلك أنَّ مسرحيتي «جوهر القضية» و«الجمجمة» قد تداولهما المخرجون على عدد من خشبات المسرح العربي بالشكل الذي كتبناهما فيه، كما أنَّ كثيراً من الباحثين تناول بقية المسرحيات بالدراسة نموذجاً عن الأدب المقارن.
إن الإعداد بهذا الشكل نوع من التأليف الجديد على نص قديم ولقد فعل «جان آنوي» في إعادة كتابته لمسرحية سوفوكليس(أنتيجون)، وكذلك فعل «جوته» و«بول فاليري» في إعادة كتابة مسرحية(فاوست) التي كتبها «أندريه مارلو» قبلهما. وقد كان من الواجب أن نضع هذه المسرحيات ؟ المعدَّة تحت صفة(التأليف) على غرار ما يفعل الكاتب الأوروبي.
لكن قليلاً من الحذر وكثيراً من مراعاة نقص تقاليد الكتابة المسرحية العربية، جعلانا نقتصر على كلمة(إعداد) التي لا تعبر تعبيراً دقيقاً عما فعلناه في هذه النصوص، وحسبنا أن نطرق هذا الباب أمام الكتاب المسرحيين العرب، وأن ندفعهم إلى الجرأة في امتلاك تقاليد أدبية جديدة في الاستفادة من النصوص المسرحية القديمة؛ لإعطائها وجهاً جديداً وهذا التقليد أغنى المسرح الأجنبي كثيراً في مختلف عصوره، وآن له أن يُغني المسرح العربي بعد أن أصبح له من تاريخه تراثا كبيرا.
المؤلف في سطور
فرحان بلبل كاتب وناقد ومخرج مسرحي سوري صدر له أكثر من ثلاثين مسرحية والعديد من الكتب في النقد المسرحي من مثل: مراجعات في المسرح العربي، النص المسرحي الكلمة والفعل، المسرح التجريبي الحديث عالمياً وعربياً، المسرح السوري في مئة عام، المسرح المعاصر في مواجهة الحياة، من التقليد إلى التجديد في الأدب المسرحي السوري، مسرحنا العربي واقعه وآفاقه.
أنور محمد
الكتاب: لأعمال المسرحية الكاملة/نصوص
تأليف: فرحان بلبل
الناشر: دار حوران ـ دمشق 2008
صفحات: 1371 صفحة
القطع: المتوسط
