تزخر الأديرة بمختلف أنواع الفن القبطي سواء الأيقونات أو زخارف الأخشاب أو الزخارف الجصية على الأحجار أو الرسوم الجدارية تقدم الباحثة نيفين عبد الجواد في كتابها «أديرة وادي النطرون» دراسة عن الأديرة الأربعة العامرة بالرهبان في تلك المنطقة وهي: دير أنبا مقار ـ دير أنبا بيشوي ـ دير السيدة العذراء السريان ـ دير السيدة العذراء برموس.

كما تحاول الكاتبة تسليط الضوء على هذه الأمكنة من الناحية التاريخية منذ نشأتها وحتى الآن من الناحية المعمارية والفنية: وأخيرا من الناحية السياحية حيث يبرز أهمية هذه الأديرة ليس فقط من الناحية الدينية بالنسبة للمسيحيين ولكن أيضا من الجوانب التاريخية والأثرية والفنية والثقافية. كما يدعو إلى ضرورة الاهتمام بالتنمية السياحية لمنطقة وادي النطرون لما تتمتع به من صحراء شاسعة وبيئة نظيفة وبحيرات منها ما يصلح للسياحة العلاجية (مثل بحيرة نبع الحمرا).

هذا بالإضافة إلى توسط موقع وادي النطرون بين مدينتين رئيسيتين هما: القاهرة والاسكندرية مما يسهل الوصول إليه ويتضح أيضا من خلال هذا البحث مدى عراقة منطقة وادي النطرون وأهميتها على مر العصور منذ العصر الفرعوني إذ تمتعت آنذاك بأهمية دينية ودفاعية وإستراتيجية وتجارية واقتصادية.

يتتبع الكتاب نشأة وتطور الأديرة في وادي النطرون تاريخيا ومعماريا وذلك منذ القرن الرابع الميلادي حيث نشأة التجمعات الرهبانية الأولى في وادي النطرون، ومرورا بالقرن السادس الميلادي حيث ظهرت التجمعات الرهبانية المزدوجة أو الملحقة بالتجمعات الأصيلة (وكانت كل منها آنذاك عبارة عن كنيسة وبرج دفاع تم تكريسهما باسم السيدة العذراء)، ثم إحاطة هذه التجمعات الرهبانية بالأسوار وتحولها إلى أديرة Monasteries.

أيضا يتتبع الكتاب معمار الأديرة بادئا بمقدمة عن عمارة الأديرة والكنائس القبطية إلى وصف أهم العناصر المعمارية بهذه الأديرة (القلالي ـ المائدة ـ الأسوار ـ الحصن ـ الكنائس) مع التركيز في وصف كنائس هذه الأديرة علي العناصر المعمارية مثل: الصحن والأجنحة (الأروقة)، الخورس، الهيكل، والعناصر الإنشائية مثل القباب، الأقباء أو الأقبية، والأثاثات مثل المنبر أو الإنبل، حوض اللقان ـ مقصورة حفظ رفات القديسين.

وتشير الباحثة الى أن ديري أنبا مقار وأنبا بيشوي ترجع نشأتهما إلى أواخر القرن الرابع الميلادي حيث كانا النواة الأولى لتجمعين رهبانيين كبيرين تم تأسيسهما ضمن النواة الأولي للتجمعات الأربعة الأصلية في وادي النطرون (الأسقيط) والتي اتبعت النظام الرهباني شبه التوحدي (شبه الشركة).

ولقد كان كل منهما آنذاك عبارة عن مجموعة من القلالي حول كنيسة مكرسة باسم القديس الأب المؤسس للتجمع الرهباني المسمي باسمه، كما اتضح أيضا أن دير السيدة العذراء السريان ودير السيدة العذراء برموس كانت نشأتهما الأولى عبارة عن تجمعين رهبانيين مزدوجين أو ملحقين باثنين من التجمعات الرهبانية الأربعة الأصلية وهما: تجمع أنبا بيشوي الرهباني وتجمع برموس الرهباني.

وتؤكد الباحثة أن الأديرة القبطية بصفة عامة تعد من أقدم الأديرة المسيحية التي مازالت موجودة حتى الآن، وقد مرت بمراحل تطور عديدة منذ نشأتها وحتى أصبح لها تخطيطها وعناصرها المعمارية المميزة لها، وتخطيط الأديرة القبطية عامة يلاحظ فيه أن الدير عبارة عن بناء رباعي الأضلاع (قد يكون مربعا أو مستطيلا) ويحيط به سور مرتفع مزود بمدخل، ويضم بداخله مجموعة من المباني تشمل: حصنا كبيرا وعددا من القلالي وكنيسة أو أكثر.

بالإضافة إلى كنائس أخرى صغيرة وقاعة طعام ومطبخ ومكتبة وقصر (دار) ضيافة، هذا بالإضافة إلى وجود بئر لتوفير المياه ومعاصر ومطاحن ومخازن ووحدات أخرى كالحدائق والحظائر والبساتين والإسطبلات.. إلخ، ويرى ذلك جليا في أديرة وادي النطرون، إذ ان بناء هذه الأديرة في شكلها الحالي لم يكن خاضعا لتخطيط أو خطة مسبقة، ولكنها مرت بمراحل تطور معمارية مختلفة خلال فترة زمنية طويلة تخللتها عمليات هدم وبناء أدت إلى تغيير الكثير من معالمها الأصلية.

ومن جانب آخر تزخر أديرة وادي النطرون بمختلف أنواع الفن القبطي (عرف بذلك بعد القرن الرابع الميلادي عندما ازداد انتشار المسيحية في مصر) سواء الأيقونات أو زخارف الأخشاب أو الزخارف الجصية على الأحجار أو الرسوم الجدارية بطريقة الفريسكو أو التحف الرخامية أو الفخارية أو البرونزية أو زخارف الفسيفساء.

لقد تميزت الكنيسة القبطية عن الكنائس المسيحية الأخرى باستخدام الأحجية الخشبية كعنصر معماري زخرفي سواء حجاب الهيكل أو حجاب الخورس، ويتميز الحجاب الخشبي في الكنائس القبطية بدرجة كبيرة من المهارة والدقة والجودة مما جعله من الخصائص الواضحة في بناء الكنيسة القبطية، ويرجع استخدام الحجاب الخشبي في الكنائس القبطية لما بعد الفتح الإسلامي لمصر إذ ان أقدم حجاب خشبي عثر عليه حتى الآن هو الحجاب الذي عثر عليه في كنيسة السيدة العذراء بدير السريان والذي يرجع تاريخه إلى عام 700 ميلادية.

وتقول الباحثة: يمتاز دير أنبا مقار بأن كنيسته الرئيسية المكرسة باسم القديس مقاريوس تعتبر أهم كنائس أديرة وادي النطرون من الناحية التاريخية، وينفرد هذا الدير بين بقية أديرة المنطقة بوجود سبع كنائس منها أربع كنائس في الحصن، ويمتاز دير أنبا بيشوي بأن كنيسته الرئيسية هي أجمل كنائس هذا الدير وأوسع كنائس أديرة الوادي.

أما كنيسة السيدة العذراء بدير السريان فهي أجمل وأروع كنائس الأديرة الأربعة لما تتمتع به من زخارف الفريسكو المميزة لها، ويوجد أيضا في دير السريان حصن به أربعة طوابق وهو أكبر عدد من الطوابق يوجد في حصون أديرة وادي النطرون، أما حصن دير السيدة العذراء برموس فيعد أقدم حصون أديرة وادي النطرون إذ ربما يرجع إلى القرن السابع الميلادي.

منطقة عامرة

توجد في أديرة وادي النطرون العامرة 21 كنيسة منها ثمانية هياكل أو كنائس صغرى وهي: كنيسة السواح، كنيسة السيدة العذراء، كنيسة أنبا أنطونيوس (وكلها توجد بحصن دير أنبا مقار)، كنيسة مار جرجس، كنيسة أنبا بنيامين وتوجدان في دير أنبا بيشوي، وكنيسة ال40 شهيدا وتوجد في دير السيدة العذراء السريان، وكنيسة الأمير تادرس، وكنيسة جرجس وتوجدان في دير السيدة العذراء برموس.

محمد الحمامصي

الكتاب: أديرة وادي النطرون

تأليف: نيفين عبد الجواد

الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب 2007

الصفحات: 280 صفحة

القطع: المتوسط