تكتسب الدراسة التي يقدمها الباحث حكمت بشير الأسود بعنوان «أدب الغزل، ومشاهد الإثارة في الحضارة العراقية القديمة»، أهمية خاصة، لكونها تخوض في مسألة لم تحظ بالاهتمام لاعتبارات عدة، بل جاء الاهتمام بها في إطار التناول العام؛ والعابر، ولم يتصد أحد من الباحثين للخوض في الجوانب العاطفية والجنسية، وتخصيص دراسة مستقلة لها، استنادا إلى النصوص والوثائق المنسوبة لحضارات العراق القديم.
يركز المؤلف على دراسة تلك الرسومات، والنصوص التي كتبها السومريون، والأكاديون، والبابليون، والآشوريون...وغيرهم من الأقوام والحضارات التي استوطنت بلاد الرافدين، والتي صورت، وتحدثت، تحديدا، عن الجانب العاطفي، وعن العلاقات الجنسية التي كانت سائدة، وعن الطقوس التي رافقت الزواج، وعن الاشتياق، واللوعة، والحنين بسبب فراق الأحبة، وكل ما يتفرع عن هذا الموضوع.
إن التمعن في تلك النقوش، ومراجعة تلك النصوص أو القطع المجزأة منها، كما أوردها الباحث، تقدم للقارئ ملامح حياة مفعمة بالعواطف والانفعالات مثلما هي مليئة بمشاهد الإثارة والشبق، باعتبار أن الجنس غريزة إنسانية، ودافع فيزيولوجي لا يمكن التغاضي عنه، فجاءت تلك النصوص على نحو جريء، إذ يمكن اعتبارها بمثابة مرآة بانورامية تعكس حقيقة الواقع القائم، آنذاك، وتشرح الكثير من المسائل التي تجاهلتها «الدراسات الأكاديمية الرسمية».
وتسلط الضوء على طبيعة الرغبات المتأججة، وهي، من زاوية أخرى، تربط بين المقدس والدنيوي، وبين الإلهي، والأرضي، ونظرا لهذا الدمج بين الجانبين، في ثقافة تلك الحضارات، فإننا نرى بان نصوص تلك المراحل الموغلة في القدم، كانت حافلة بالرموز، والاستعارات، والتشابيه... التي تشير إلى رغبات مكبوتة، لم يكن الإفصاح عنها، على نحو صريح، مستحبا في بعض الظروف.
يقول الباحث إن أدب الغزل في بلاد الرافدين، الذي جاءنا متكاملا، حيويا، مؤثرا، من خلال النصوص المسمارية المدونة باللغتين السومرية، والآكدية منذ ما يقارب خمسة آلاف سنة، وكذلك مشاهد الإثارة التي صورتها الفنون المرئية العراقية القديمة (كالأختام، وجلود الحيوانات، والمنحوتات الطينية، والحجرية، والخشبية، والمعدنية...)، كل هذه الوثائق عرضت لنا المراحل السرية والعلنية، المقدسة والدنيوية لخفايا الحب والغزل والجنس عبر المراحل الحياتية للرجل والمرأة.
وهذه النصوص وتلك الفنون تقدم تصورا كاملا عن تلك العلاقة التي تبدأ بالحب وتنتهي بالزواج أو بغيره، وبهذا فإن العراقيين القدامى قد عبروا لنا عن تجربة حياتية رائعة في مجال العلاقات الجنسية في ظاهرها ومضمونها، وأوضحوا للبشرية خلاصة تلك التجارب في قصائد غزلية مثيرة، رائعة مشوبة برائحة العشق والحب، ومصورة في مشاهد فنية للعديد من الفنون العراقية القديمة .
هذه الفنون المرئية، وتلك النصوص المدونة هما ضالة الباحث، إذ يستقصي، ويحلل، ويجتهد، ويسعى إلى التأويل، ويشرح بعض المفردات الملتبسة، ويوضح بعض العبارات الغامضة، ويكشف عما وراء السطور...في سبيل تقديم دراسة تستعرض ملامح الحياة الجنسية، والعاطفية لدى سكان بلاد الرافدين، بكل أشكالها، ونماذجها...
على أن هذا الهدف الرئيس الرامي إلى «كشف المستور» على المستويين العاطفي والجنسي، لا يمكن أن يشغلنا عن جمالية بعض الصور الفنية، والاستعارات المبتكرة الواردة في متن النصوص، فبمعزل عن مضامينها، ودلالاتها، فإن شكلها، وبناءها الفني ينطويان، في بعض الأحيان، على بلاغة لغوية محببة.
لقد احتلت النصوص الأدبية الخاصة بالحب، والغزل، والعلاقات الجنسية مكانة متميزة بين الأدبيات العراقية القديمة، ويشير الباحث إلى أن تاريخ أولى النصوص السومرية المدونة يعود إلى حوالي الألف الثالث قبل الميلاد.
حيث استمرت بالظهور لأكثر من ألفي سنة، وقد تفرعت هذه النصوص إلى عدة أشكال، فثمة نصوص جاءت على شكل قصائد غزلية يدور معظمها على موضوع فسر بأنه شعائر ما يسمى بالزواج الإلهي أو الزواج المقدس، أي الزوج بين إله وإلهة الحب، وقيام الحاكم أو الملك وكاهنة عليا بتمثيل الإله، والإلهة في ذلك الاقتران المقدس، وبعضها يصف العلاقة الجسدية بين إنانا (عشتار) وبين حبيبها دموزي.
أما أشعار الحب الأكدية فقد تضمنت الأغراض نفسها إلى جانب قصائد تختلف قليلاً، ومنها قصيدة فريدة عن امرأة مريضة بالحب تحاور حبيباً لا يبادلها مشاعرها، في حين استعملت قصائد الحب من العصر الآشوري الحديث(911 ـ 612ق.م) كطقوس سحرية رمزية، وكانت الطلاسم والرقى تحتوي الجمل نفسها الموجودة في قصائد الحب، كما وجد إلى جانب ذلك عدد من نصوص الفأل التي تواصلت منذ العصر السومري وحتى نهاية العصور الآشورية، وقد وصفت تلك النصوص أساليب الممارسة الجنسية أو ما يتعلق بها من قواعد.
لقد ظلت هذه النصوص تنتقل من مدينة إلى أخرى، ومن عصر إلى آخر، ومن لغة إلى أخرى، ولئن كانت نقطة الانطلاق الأولى بدأت من السومريين الذين طوروا ضروباً أدبية متنوعة، وأعقبهم الآكديون، فإن أساليب أدبية، وتعبيرية جديدة تولدت لاحقا لدى البابليين والآشوريين، ومن مكتبة الملك «آشور بانيبال» وصلت مجموعة كبيرة من النصوص الأدبية القديمة، سومرية كانت أم أكدية.
إذ عكف نسّاخ ذلك الملك على نقل النصوص القديمة من أصولها السومرية وإعادة صياغتها لتنسجم مع المزاج الاجتماعي والروحي في إمبراطورية مترامية الأطراف أو أبقوا عليها كما هي، ورغم الصراعات، والنزاعات، والتناحرات إلا أن تلك النصوص والرسومات بقيت محفوظة حتى يومنا هذا لتشير إلى حضارة سكنت ذات يوم ارض بلاد الرافدين.
والواقع أن تلك النصوص، والألواح المصورة، والأختام، والمسلات.. لا تترك شيئا مما له علاقة بالعشق والحب والغرام والجنس والشبق والوجد إلا وتذكره، بهذا الشكل أو ذاك، كما أنها لا تغفل عن الجوانب العاطفية المقرونة بالجانب الروحي والوجداني، والباحث، بدوره، لا يتوانى عن الكشف في أدق التفاصيل، وإيراد الأمثلة على هذه الجزئية أو تلك. الكتاب، وفضلا عن الجانب البحثي والتوثيقي فيه، فانه يكشف عن مفارقة تتمثل في أن القدماء كانوا أكثر انفتاحا في التعاطي مع الجنس والعواطف، وما يتفرع عنهما!
المقاربة الذهنية
يلاحظ بأن سكان بلاد الرافدين كانوا يتمتعون بجرأة في مقاربة مثل هذه المسائل، وكأن ذهنية الرقيب في وقتنا الراهن تجهل ذلك التاريخ الحافل بكل ضروب التعبير والسرد، وإلا كيف نفهم هذه العقلية السائدة التي تحاصر المبدع لدى مقاربته ذلك الثالوث المقدس: الجنس، الدين، السياسة.
المؤلف في سطور
حكمت بشير الأسود: باحث عراقي، متخصص في علم الآثار. من مواليد الموصل عام 1949، حصل على شهادة بكالوريوس الآداب في الآثار القديمة من جامعة بغداد 1973، وحصل على شهادة ماجستير الآداب في الآثار القديمة، جامعة الموصل 2002م.
عمل في حقل التنقيب الأثري، والصيانة في عدد من المواقع الأثرية في بلاد الرافدين. شارك في عدد من الندوات العلمية والدورات التدريبية داخل العراق وخارجه. صدرت له بعض الكتب والدراسات المتعلقة بعلم الآثار، وخصوصا دلالة العدد سبعة، مثل: «قدسية العدد سبعة في حضارة بلاد الرافدين»، و«مدلولية العدد سبعة في التوراة»، و«الرقم سبعة في حضارة بلاد الرافدين»...وغيرها.
إبراهيم حاج عبدي
الكتاب: أدب الغزل، ومشاهد الإثارة في الحضارة العراقية القديمة
تأليف: حكمت بشير الأسود
الناشر: دار المدى دمشق 2008
الصفحات: 336 صفحة
القطع: المتوسط
