يلاحق د. أيوب عيسى أبو دية في هذا الكتاب تفاصيل حياة واحد من أبرز أعلام النهضة هو إسماعيل مظهر، ويرصد تطور مسيرته الفكرية والعلمية منذ بداياته الأولى وحتى وفاته في مطلع الستينات من القرن العشرين.
نشأ إسماعيل مظهر في قصر أرستقراطي حوله عدد كبير من الخدم والجواري والإماء، وقد بثت روح العلم والثقافة بين أركان القصر، فوالده كان مهندساً، وتولى جده لأبيه رئاسة مجلس شورى القوانين في مصر، وأما جده لأمه محمد مظهر باشا فهو المهندس الذي أطلق مشروع القناطر الخيرية التي لا تزال ماثلة للعيان حتى يومنا هذا. أحب إسماعيل إحدى الجواري الإغريقية وصدم صدمة قوية حينما ماتت. ومن بعد تزوج أخت أحمد لطفي السيد مؤسس الحزب الوطني. وهو يفخر بأن نسبه خليط بين عربي وفرنسي وشركسي، وكانت نظرته الوطنية ترتبط بشعار «مصر للمصريين».
المرحلة العاصفة من حياة إسماعيل مظهر التي دفعته باتجاه الماديين بدأت بعد فقدانه قصر جده وتبدد ثروة عائلته، وفشل الأحزاب الوطنية في تحقيق الطموحات الوطنية، وإغلاق مجلته «العصور» سنة 1930، فانكب أكثر من عشر سنوات على دراسة مذهب العلامة داروين في النشوء والارتقاء، وهذا المذهب أصبح العامل المشترك الأساسي في معظم كتبه وظل أثره واضحاً في فكره.
تأثر إسماعيل مظهر بالعالم الوضعي الفرنسي أوجست كونت مؤسس المذهب الواقعي في المعرفة، وبالأخص بفكرته القائلة بأن الإنسان حينما يعجز عن معرفة أسباب وظاهرات الكون يردها إلى قوى غيبية شبيهة بقواه البشرية، وتأثر كذلك بشبلي الشميِّل، وهو يعترف بصراحة وجرأة قائلاً: إن قراءتي لكتاب شبلي الشميل (فلسفة النشوء والارتقاء) أحدثت في ذهني من الانقلاب ما يعجز قلمي عن التعبير عنه أو وصفه، فدلفت قدمي في مفارز الآراء المادية.
والحقيقة أن نظرته إلى نشوء الكون كانت مشابهة لفلسفة القس الإنجليزي باركلي الذي يوازن بين المادية والمثالية ويقبل بهما معاً، ويؤكد على مسألة (التوالد الذاتي) حيث تبدأ أول العضويات الحية تكويناً بالارتقاء حتى تصبح معقدة.. وبالطبع فإن عصر إسماعيل مظهر لا يمكن أن يقبل مثل هذه الآراء التي تشي بالإلحاد وربما أثارت ضجة صاخبة وهجوماً عنيفاً عليه، فما لبث أن تدارك الموقف وسعى إلى نفي فكرة الإلحاد عن داروين فقال بأن آراءه المادية لم تكن حاسمة ولا قاطعة، وأنه كان مؤمناً بقدرة مدبرة حكيمة تتصرف بالكون وتدبره.
وكان هذا أسلوبه التقليدي في نشر عقائده، فالذي يؤمن به إما أن يضعه أمام القارئ من دون تعليق، أو ينسبه إلى أحد الأعلام المشهورين، إضافة إلى أسلوب آخر كان يتبعه حينما يبدي إعجابه بالشعراء أصحاب العقلية الإيجابية (البعيدة عن الغيبيات) كمهيار الديلمي وبشار بن برد وابن الرومي، أو أولئك المتهمين بالإلحاد في التاريخ العربي الإسلامي كأبي العلاء المعري، ويتوصل بعد دراسته إلى أنه أي المعري: كان معتقداً بالله جاحداً بالأديان.
كان إسماعيل مظهر ينظر إلى المفكرين والفلاسفة العرب مثل ابن سينا وابن خلدون وابن رشد وغيرهم بوصفهم عبقريات فردية لم تتطور لتصبح مدرسة فلسفية وهم مجرد ومضات فذة في التاريخ، وحينما انتقلت كتب ابن رشد إلى أوروبا في القرون الوسطى انقلب الرأي الفلسفي الفردي إلى مدرسة فلسفية فيها.
ويرفض إسماعيل مظهر دعوة محمود فهمي إلى كتابة اللغة العربية بالخط اللاتيني لأن فيه ضياعاً لفلسفة هذه اللغة وتقاليدها وطمساً لآدابها وجميع أسرارها، وبرأيه أن لغتنا قادرة على استيعاب المصطلحات الأعجمية وقادرة على النمو لتلبي احتياجات التطور الحضاري.
من هنا ينبغي على اللغة أن تتطور وإلا اندثرت، ويكون تطورها بوضع دساتير للنحت فيها، وهو يثبت صحة هذا الاتجاه من خلال كتابه العلمي (الحيتان 1949) الذي استغرق في تأليفه ثلاثين سنة، ويضع فيه مصطلحات لقبائل الثدييات وفصائلها وأجناسها وأنواعها.. باللغة العربية.
لا شك في أن كتاب إسماعيل مظهر »الإسلام لا الشيوعية 1961« ينطوي على دعوة صريحة إلى ربط الثقافة التقليدية بالتراث العربي الإسلامي، فعرب اليوم؟ كما يقول- هم عرب الأمس، هم ورثة محمد وأبي بكر، أقاموا أسس الحرية واعترفوا بالمساواة.
من هنا تبدأ عملية ارتداده عن المادية بالظهور، يتبعها بقوله: إن الاستعمار قد عمد إلى القطع بين حاضرنا وماضينا وإلى أن يضعف اتصالنا بآدابنا القديمة، ويولد في نفوسنا الشك بأنها آداب قديمة وبالية. بيد أنه لا يحدد لنا ماذا ينبغي أن ندرس من هذه الآداب، بل يطالبنا بأن ندرس أدبنا أولاً ثم ننتقل على أساس متين إلى دراسة الآداب الغربية.
المنهجية العلمية
إن كتابات إسماعيل مظهر وترجماته تتسم بالموسوعية والمنهجية العلمية الصارمة، والروح العالمية، وقد أنتج ثلاثة أنواع من الكتب: علمية، وأدبية فلسفية، ودينية سياسية. وهو في كتبه كلها متأدب بالآداب الأوروبية الحديثة التي أصبحت جزءاً من عقليته وركيزة من ركائز تفكيره.
المؤلف في سطور
أيوب عيسى أبو دية مواليد قرية الفحيص في البلقاء الأردنية 1955، مهندس مدني خريج جامعة مانشستر بمرتبة شرف 1977، دكتوراه في الفلسفة من جامعة القديس يوسف بلبنان. له مؤلفات فكرية عديدة كما له تحت الطبع (موسوعة أعلام الفكر العربي الحديث والمعاصر 800 صفحة).
خطيب بدلة
الكتاب: إسماعيل مظهر من الاشتراكية إلى الإسلام
تأليف: د. أيوب عيسى أبو دية
الناشر: دار نون 4 حلب 2008
الصفحة : 166 صفحة
القطع: المتوسط

