جذور الفلامنكو ليست مؤكدة على وجه اليقين ولا تعرف بصورة دقيقة الآليات الاجتماعية والسياقات الثقافية الحقيقية التي مهدت الطريق أمام ولادة فن شعبي تتآلف في كنفه أكثر الرواسب عظمة وشهرة من الموسيقى الشرقية المختزنة في قلب الحضارة الأندلسية.

من الممكن تخيل الجينات الموسيقية للفلامنكو وتشبيهها ببوتقة من المقومات العميقة جدا التي تتداخل فيها عناصر هندوسية، إغريقية، بيزنطية، فارسية، عربية، عبرية، فكل تلك المقومات وغيرها راحت تذوب وتنصهر على طول تاريخ الذرية الأندلسية مشكلة فن الفلامنكو البديع بعناصره الرئيسية الثلاثة: الرقص، الغناء والقيثارة. ومن ثم جاء الغجر ليتوجوا مسيرة فنية غنية ويعيدوا بالتعاون مع المغاربة- المقصود هنا المغاربة الأسبان المتنصرون- تأسيس مجمل تلك الموسيقى الشرقية الأندلسية.

من جانب آخر، فإن رقص الفلامنكو وغموض لغته القائمة على الإيماء وحركة اليدين ينطوي على تجانس مع الرقصات الهندوسية المقدسة أيضا. تلك الشخصية البليغة التي تظهر وتلفت الانتباه في الموسيقى الشعبية الأندلسية والغنية بالعناصر الموسيقية العربية والعبرية سيعاد تأويلها على يد الغجر بعد دخولهم إلى شبه الجزيرة الأيبيرية في القرن الخامس عشر. ولا يمكن الحديث عن الفلامنكو كظاهرة فنية مستقلة بحد ذاتها قبل وصول الغجر إلى الأندلس. كما لا يمكن الحديث قطعا عن فن محصور بالغجر وحدهم، وذلك يعود إلى كون الغجر لا يغنون الفلامنكو في أي مكان آخر من العالم.

لكن الغجر تبنوا تلك العناصر المتفرقة وأعادوا معالجتها في بوتقة واحدة مستفيدين من قنواتها التعبيرية البليغة وقدرتها التأويلية الفائقة. من جانب آخر، فإن طرد اليهود وخروج العرب من آخر حصونهم في جنوب اسبانيا تزامنا تقريبا مع وصول القبائل الغجرية الأولى إلى شبه الجزيرة الأيبيرية، وهكذا راحت تتشكل مجتمعات وجاليات سرية، في حين تم ربط كل ما له علاقة بما هو غجري، بما في ذلك أساليبهم الفاتنة في الرقص والغناء، بعالم الجريمة وقاع المجتمع. ربما لهذا السبب بالذات يأخذ فن الفلامنكو طابعا باطنيا وجينيا من دون أن يتخطى تلك البيئات الاجتماعية الضئيلة المنكمشة على نفسها، التي راح يتطور في كنفها. وهذا يعني في واقع الأمر أن عمر غناء ورقص الفلامنكو،على النحو الذي وصل إلينا، بالكاد يصل إلى قرنين من الزمن.

في نهاية القرن العشرين وبعد أن بادر كارلوس الثالث إلى إصدار قانون وقف الأعمال العدائية ضد الغجر، دخل الفلامنكو مرحلته الأولى من الانتشار خارج بيوت الغجر وأحيائهم، بينما أبدى الشعب الأندلسي اهتمامه بالأساليب التعبيرية البليغة التي كانت مجهولة بالنسبة له حتى ذلك الحين. لكن الفلامنكو حافظ على وضعه الطقسي الحميم والدراماتيكي داخل الحصون الفرعية الخاصة بطائفة الغجر وتعرض لسلسلة من عمليات إعادة الضبط والربط لا سيما في جوانب الأنماط والأساليب المتعلقة بالطقوس وذلك بغية جذب انتباه الجمهور غير الغجري إلى أن أصبح يستخدم كمنتج للتبادل التجاري الذي يسمح للغجري بالعيش والبقاء على قيد الحياة.

أما الانتشار الجماهيري العام لفن الفلامنكو، فلقد تعزز مع ظهور التيار الرومانسي في منتصف القرن التاسع عشر، وإعجاب رواد هذا الحركة الطليعية بجوانب الحياة العاطفية وحياة الليل والغموض وظهور الثورة الثقافية الشعبية. في تلك الحقبة أصبح الفلامنكو يعتمد على المقام النمطي الأساسي الذي تقوم عليه في يومنا هذا موسيقى الفلامنكو وذلك بفضل ازدهار سبعة إيقاعات جديدة قوامها الموسيقى الاسبانية الصاخبة والنغمات الشرقية والأناشيد الحرة.

في هذه المرحلة من عمر الفلامنكو، تنتقل عروضه الفنية من الحانات والخانات الريفية الصغيرة والأحياء الهامشية إلى خشبات مسارح متخصصة برقص الفلامنكو عرفت باسم »كافيس كانتانتيس« - أي مقاهي المطربين- اعتبارا من عام 1842. وهنا وصل العصر الذهبي للفلامنكو إلى ذروته، حيث اكتسب شهرة منقطعة النظير والميل إليه انتشر بين كافة الفئات الاجتماعية الاسبانية بما فيها الفئة الأرستقراطية. وفقد الرقص والغناء مرة وإلى الأبد طابعه الضيق المرتبط بالطقوس المنزلية أو الأهلية وانتشر في كافة أنحاء اسبانيا.

وراح يظهر أوائل المطربين والراقصين من غير الغجر، كما انتشرت تقسيمات نمطية فرعية تتعلق بأساليب الأداء جراء المنافسات بين الفرق المختلفة، في حين شهد الرقص الفلامنكي تجديدات عفوية واضطلع بأكثر متطلبات الموضة تنوعا. القفزة التالية التي قام بها الفلامنكو كان هدفها المسرح. وبعض المتخصصين في الفلامنكو ينظرون إلى هذه المرحلة على أنها تمثل مرحلة تراجع وانحطاط، حيث يذوب فيها الفلامنكو في العروض الفنية الجديدة المتنوعة، مما دفع في عام 1925 إلى إنشاء »أوبرا الفلامنكو«.

وهي صيغة لتقديم الفلامنكو تقوم على مظاهر تخلط بين الأغنية الاسبانية وغناء الفلامنكو ومكونة من أوركسترا وقيثارة ومقاطع تمثيلية بنفس واحد والرقص. ويرى دارسون آخرون أن الفلامنكو كيف نفسه مع التطورات الجديدة. لكن ما لا شك فيه هو ذلك الانتشار الواسع الذي حققه بفضل الجولات الخارجية التي قامت بها الفرق على مختلف أنواعها.

الغناء على طبقة واحدة راح يتطور بدوره ويأخذ شكلا آخر في إطار فن الفلامنكو في المسارح فاسحا في المجال أمام ظهور باليه الفلامنكو، وهو مظهر آخر راح يطور آلياته الخاصة ويرسخ نفسه ويكبر بفضل فنانين رائعين، الأمر الذي لا يزال على حاله في أيامنا هذه في ظل أعمال فرقة الباليه الوطنية الاسبانية أو الرقصات التي صممها أنطونيو قادش، ماريو مايا، كريستينا هوياس، خواكين كورتيس، أنطونيو كاناليس أو إيفا لا ييربابوينا.

في نهاية خمسينات القرن الماضي، طرحت المرحلة الثورية، حيث ظهر سلوك وفكر جديدان أمام فن الفلامنكو، وتم تأسيس كاتدرائية علم الفلامنكو في خيريز دي لا فرونتيرا ككيان أكاديمي الهدف منه هو تشجيع الدراسة والبحث في مضمار الفلامنكو والعمل على نشره. ومما لا شك فيه أن هناك شخصيتين تركتا بصمتين دامغتين في فن الفلامنكو الحالي وهما كاميرون دي لا إيسلا الذي أتى بطبقة صوتية صداحة جديدة إلى الأغاني، وباكو دي لوثيا، الذي ساهم بمعالجة تقنية جديدة للقيثارة.

ما يثير القلق في أوساط الفلامنكو في هذه الأوقات هو محاولة فهم إن كانت الفرصة سانحة أمام الفلامنكو للتطور باتجاه قنوات وأشكال محتملة جديدة أم لا، حيث تبدو صورة الفلامنكو في اسبانيا حبلى بتيار موسيقي حديث كحركة منطقية أمام التقليد الفلامنكي المحافظ. هذه التجربة استهلت مسيرتها فرقة »روك سماش« للفلامنكو وتتواصل على يد فرق أخرى على غرار »لولي ومانويل«، »ريتاما« و»وحفلا ت العزف على القيثارة التي يقدمها باكو دي لوثيا مع عازفين قيثارة مشهورين في ميدان الروك والجاز والسالسا وأنماط موسيقية متنوعة أخرى.

تلك التطورات يجب ألا تثير موجة كبيرة من المقاومة، ذلك أنها تتعلق بتطوير أنواع أخرى من الموسيقى، الأمر الذي حدث في قرون سابقة في مواضع موسيقية وراقصة عديدة تبدأ باسبانيا وتمر بكوبا ولا تنتهي في كولومبيا، مع إدراك أن المسألة لا تتعدى حدود مزيد من الثقة في أن الفلامنكو يتطور من دون أن يتخلى عن هويته الأصلية.

ثقافة خلاسية

يعتبر الفلامنكو ثقافة أصيلة قائمة على قيم خلاسية تعتمد على جانبها العربي واليهودي والغجري والأندلسي، ذلك أن القرون الثمانية للوجود الإسلامي تركت في الأندلس جذورا ثقافية عربية وغير عربية متنوعة وواضحة جدا، إلى درجة أن المناخ التعبيري البليغ لنغم تونسي قديم بوسعه إيجاد متعة جمالية شبيهة للغاية بما يحدثه غناء غجري أندلسي أصيل.

فمن العالم العربي ينحدر الجو الاحتفالي الصاخب بشكل واضح. كذلك الأمر فيما يتعلق بالقيثارة الفلامنكية التي تتواصل مع تقليد العزف على آلة وترية من غير مهارة بإصبع واحد، الأمر الذي يشكل إحدى خواص القيثارة القشتالية المنحدرة من القيثارة المغاربية.

باسل أبو حمده