عربة «الريكشا» خرجت من تاريخ الهند شامخة مستمرة مع مرور القرون والسنين التي أكسبتها قوة واستمرارية حتى أصبحت جزءاً أساسياً من معالم الهند القديمة. إنها لوحة ساطعة رغم كل الظروف، تحت الأمطار وسخونة الأجواء، وأيضاً أثناء الكوارث الطبيعية.
إنها «الريكشا»، وهي كلمة هندية قديمة تعني العربة المكشوفة التي يجرها الرجال. فهي تشبههم بلونها الأسمر الداكن، يدوية الصنع، كما صنعوا هم تاريخهم بسواعدهم الدقيقة، ارتضت أن تنطلق من الأزقة الضيقة والشوارع الجانبية تحت ظلام الليل، وصخب النهار. تحدت التحديث الذي اجتاح مدن الهند، تعلمت من شعبها العريق الاعتزاز بالنفس والسعي حتى وراء المجهول. «الريكشا».. وسيلة مواصلات.. وحكاية سنين، معاً نتعرف عليها ونفك رموز استمراريتها، ونغوص في أغوار نفس هؤلاء الرجال ذوي الملامح الدقيقة، والبشرة السمراء التي لفحتها شمس الهند، فازدادوا سمرة ودكانة يعتزون بها، فهم شريحة من شعب تحدى التاج البريطاني عندما سطّر التاريخ صفحاته الأولى في بلاد تركب الأفيال، وتجمع ملح البحار، وتأخذ على عاتقها تحرير بلادها.
بلاد خرجت منها جميلات العالم «آشواريا رايّ» عندما توجّت «مِس يونيفرس».. هي البلاد ذاتها التي صنعت سينما عالمية تخرج من تحت عباءة الشرق تحت اسم «بوليود» حيث تتحدى صناعة السينما الأميركية وغيرها. تلك البلاد التي تتأرجح بين القديم والحديث، خرجت منها عربات «الريكشا»، فما هي؟ عربات «الريكشا» اعتادت أن تقضي ساعات ليلها في «جراج» كبير غالباً ما يمتلكه أصحاب هذه العربات، وهو أيضاً ورشة لصيانتها وتجديدها، ومبيتاً لهؤلاء الرجال الذين يجرّونها مع أول شعاع للشمس، وأحياناً تعيش فيها عائلات الرجال ذاتهم.
«كالكتا» هي المدينة التي امتازت وحدها دون ولايات الهند الأخرى بدوران «الريكشا» على شوارعها المرصوفة بالأسفلت الخشن أو الحجارة الملساء، وتلك العربات نادراً ما تسير جنباً إلى جنب في الشوارع الرئيسية حيث الازدحام وقوانين المرور الصارمة والإشارات الالكترونية التي تنظم المرور، فـ «الريكشا» صنعت لنفسها قانونها الخاص بها، مواقفها معروفة للعامة، فهي تصف على شكل طابور طولي في كل الشوارع الجانبية (الحارات) ملزمين بالنظام يتعاملون بالاحترام والطاعة فيما بينهم بعضا وبين ركابهم.
من هم ركاب «الريكشا» الهندية الشهيرة؟
هم كثيرون.. بداية يعملون من خلال الأزقة والتي يعرفون ويحفظون مساراتها تماماً، مخارجها ومداخلها، يعملون على إيصال الصغار من الطبقة الفقيرة إلى مدارسهم الإلزامية وأن يدور حديث طريف بين الصغار والرجل الأسمر الدقيق الملامح الذي اعتاد راضياً السير تحت أي ظرف مناخي معتبراً نفسه بطلا من الأبطال في مجال هذه المهنة، يعلق في يده اليمنى جرسا صغيرا حاد الرنين، يحاكي «كلاكس» السيارات «الهورن» كما تسميه بعض الدول منها دول الخليج، يستخدمه في حالات الزحام ولتنبيه المارة.
«والريكشا» لا تخضع لقانون المرور ولا سيطرة الحكومة، فهي خدمة شعبية يؤديها أفراد يرتدون فانلة على جسم نحيل وتنورة من قماش الكتان غالباً ما تكون من نقشة المربعات يحكمونها على خصرهم بإتقان.
يجوبون شوارع كالكتا الضيقة التي يعرفونها جيداً، وقد اشتهرت هذه المدينة التي هي عاصمة البنغال (15 مليون نسمة) وتوارثت هذه المهمة أباً عن جد يسابقون القرون والسنين ومظاهر التحديث، راسخين على الأسفلت بأقدام عارية ووجوه لاهثة ولكنها جادة تغرس العمل و«لقمة العيش» الخارجة من تحت الأسفلت الساخن أحياناً والمبتل بمياه غزيرة هي مياه الأمطار الموسمية في هذه الولاية.
وللزمن حضوره القوي دائماً، وهو قوة جبرية يصعب التصدي لها، ففي أحيان كثيرة، خاصة خلال العقود القليلة الماضية وحتى الآن يدفع ركاب «الريكشا» الرجل الذي يجرها أن يدخل في حوار قد لا يكون مناسباً أو حتى متساوياً بينه وبين رواد الشوارع الرئيسية، ولكن مهارته التي اكتسبها منذ صغره علّمته تجنب الاصطدام بالمركبات الأخرى.
من ركاب «الريكشا» أيضاً النساء اللاتي يذهبن للعمل في المصانع الصغيرة والرجال الذين يعملون في مهنة البناء والتشييد، وهناك مواقف لا تنسى ولا تخرج في اللاشعور بالنسبة للرجال الذين يجرون هذه العربات، مثل نقل تلك السيدة وهي في حالة وضع، أو صغار تعرضوا لحوادث سير أو أناس مسنين يصعب عليهم التعامل مع وسائل النقل وسط المدينة.
فإن للريكشا زبائن آخرين تقوم بنقلهم إضافة للرواد والناس، حيث الطيور الحية كالدجاج والحمام، حيث يقوم السائق بربط العديد من الدجاجات في حمالة تشبه حمالة الصياد الماهر العائد بصيد وفير، حيث يحزم أرجلها ويربطها في حبل طويل يضعه بشكل خاص على هذه العربات، وهو مشهد طالما استوقف السياح كثيراً، ولكنه في جوهره مشهد لأناس تحت حزام الفقر لا يعرفون بحق مفردات وجوهر كلمة «سياحة».
وتستخدم هذه العربات كذلك مقاهي الأرصفة في مدينة كالكتا لنقل متطلبات المقهى من بن وشاي وخبز وفطائر داخل صناديق صغيرة، ويعتبر أصحاب هذه المقاهي أنها وسيلة النقل الأرخص، حيث يقدمون أقداح الشاي وبعض الفطائر كبدل مادي لأصحاب هذه العربات.
ومن المواقف الطريفة التي تقابل رجال الريكشا أنهم يستعملون لغة تخاطب خاصة بهم يحددون مواعيدهم بين بعضهم البعض في الطريق برموز وإشارات معينة ويتمتمون بكلمات بسيطة توحي بالتحية حتى لا يحدثوا ارتباكاً في الطريق، وغالباً ما يتخلل هذه الإشارات تحديد موعد للالتقاء في أحد كراجات الريكشا ليلاً للثرثرة والكلام عن يوم طويل حافل بالعمل والطرائف المتنوعة.
كذلك تعتبر «الريكشا» وسيلة مهمة للتنقل بين يونيو وسبتمبر، حيث تكون الأمطار الموسمية فارضة حضورها القوي على مدينة كالكتا، ويصعب على مراسلي العمق الأجانب خاصة إيجاد وسيلة سهلة للتنقل فينضمون إلى نادي ركاب «الريكشا» التي يعتبرونها فرصة ذهبية لتحسين دخلهم المادي، وغالباً ما يعمدون إلى استغلال الفرص لابتزاز هؤلاء الرواد أو الركاب المضطرين إلى إنجاز أعمالهم وسط هذا الطوفان الكبير من المياه العاتية.
ومن ناحية أخرى، غالباً ما يكون الحوار الثنائي فيما بينهم بلغة الإشارة الذي يستخدم فيها السائق رأسه فقط حتى لا يختل توازن الريكشا عندما يستخدم يديه. ومن الطرائف أيضاً أن ترسل زوجة سائق «الريكشا» أولادها الصغار المشاغبين مع والدهم، ومن هنا يتعلمون هذه المهنة منذ نعومة أظفارهم، والثمن أحياناً يكون إصابتهم بضربة شمس. التداوي بالأعشاب الهندية المعروفة، وتقطير الماء والملح في أذن الصغار، ووضع كمادات من رحيق نبات الصبار الباردة على مقدمة الرأس، وهذه الوصفات تنحدر من الطب الشعبي الهندي القديم.
ومن المواقف المحزنة التي تترك في النفس بصمة يصعب التغلب عليها،هي الموت المفاجئ بالسكتة القلبية لبعض الريكشا، ربما للتقدم في السن وعدم تحمل المجهود الشاق ـ أو الجوع والظمأ أسباب لنتيجة واحدة هي الموت تحت عجلات الريكشا، التي كانت يوما تخضع لقوة عضلاتهم ويخرجون من الهرولة فوق الإسفلت بنقود قليلة لا تزيد عن مئة روبية هندية في الشهر الواحد، أي ما يعادل بلغة سوق المال (50. 2 دولار أميركي)..!
وربما من هنا كان للحكومة في كالكاتا موقف هو الأول من نوعه، فقد أصدر رئيس الوزراء قرار يقضي بضرورة التأمين على هؤلاء الرجال كدعم إنساني لأسر هؤلاء الفقراء الذين كانوا رمزاً من رموز الجهاد في الهند، ولكن من خلال عملهم البسيط.
وإذا كانت كواليس هذه المهنة درامية إلى حد كبير، فلابد وأن يكون هناك ضوء في نهاية النفق المظلم، فقد اتجهت السينما العالمية وخاصة الأميركية إلى تصوير مشاهد سياحية تبرز جماليات الهند العريقة ومن بينها «الريكشا» التي لعبت دور البطولة أمام الكاميرات بتلقائية محببة واستحقت معها أن تواجه العالم بعيدا عن الأزمة المظلمة والجراحات المكدسة. السينما الإيرانية كذلك استوقفت الريكشا وصنعت منها دور بطولة تستحق معه أن تقف في دوائر الضوء وعالم الشهرة.
وإذا كانت «الريكشا» خرجت من عباءة تاريخ الهندي لتتألق في دوائر الضوء، فمثلها كذلك «الحنطور» في منطقة الشرق وهو عربة يجرها حصان أو أثنان بسيطرة سائق يجلس على مقعد من الجلد الطبيعي يقود الجياد عن طريق التحكم فيهما بما يعرف «باللجام» وكلمة اللجام تعرف في العربية القديمة بالتحكم والسيطرة.
أما مقاعد عربة الحنطور فهي من الجلد الأسود الطبيعي وتغطي العربة «بكبوت» أسود من الجلد الأصلي الراقي، تنتشر في مصر وشمال إفريقيا، وقد استخدمتها السينما المصرية أروع استخدام، فهي تعكس مناخ الزمن الجميل بناسه ومكانه.. وفنه.. «وحناطيره».. فهي جزء من التراث المصري والعربي. يصعب أن يجد لنفسه طريقاً الآن وسط السيارات الفارهة التي يقفز منها «البودي جارد» تعكس تشابك حياة وعلاقات ومشاهد مفتعلة بحق.
عربة أخرى خشبية يدوية الصنع مسطحة. يجرها الحمير غالباً تشاهد في الأسواق القديمة في مصر، توضع عليها الخضروات والفواكه التي تم تحميلها من الحقل إلى المورد، والعربات هذه تستخدم في نقل النسوة إلى الأفراح تحيط بهم الاهازيج المسموعة من الزغاريد والغناء وفرحة من القلب. ولكن لهذه العربات الخشبية وجه آخر فهي تأخذ طريقها للمدافن عند توديع من رحل من دنيانا، وتتحول هنا الزغاريد إلى دموع وبكاء على الفقير.
إذا كانت الريكشا وقفت وسط بقع الضوء ودوائره، فإن الحنطور والعربات الخشبية كان لها دور البطولة والحضور القوي في السينما والدراما المصرية خاصة في الأفلام القديمة، حيث كانت تقل الإقطاعي بكامل اناقته من سراياه وسط العزبة لكي يشرف على سير العمل في الحقول التي يمتلكها ويتابع حركة النسوة من صغار السن بطرف عينية وهم يجمعون القطن ويغنون أغاني الحصاد، فيسوي شاربه بخبث.
ويتأكد من «زهرة القرنفل» الحمراء بأنها ما زالت في «عروة» سترته، وهي زهرة تربعت طويلاً على ياقة الإقطاعيين وباشاوات ذلك الزمن الذي رحل ومعه ذكريات وزهور قرنفل لا يخبرها الآن سوى المصنع منها محبوسة داخل سلة قشية، تهدى في عيد الأم وغيره من الأعياد!
مهنة في الصغر
تعتبر «الريكشا» وسيلة مهمة للتنقل بين يونيو وسبتمبر، حيث تكون الأمطار الموسمية فارضة حضورها القوي على مدينة كالكتا، ويصعب على مراسلي العمق الأجانب خاصة إيجاد وسيلة سهلة للتنقل فينضمون إلى نادي ركاب «الريكشا» التي يعتبرونها فرصة ذهبية لتحسين دخلهم المادي، وغالباً ما يعمدون إلى استغلال الفرص لابتزاز هؤلاء الرواد أو الركاب المضطرين إلى إنجاز أعمالهم وسط هذا الطوفان الكبير من المياه العاتية.
معنى الكلمة
«الريكشا»، كلمة هندية قديمة تعني العربة المكشوفة التي يجرها الرجال. فهي تشبههم بلونها الأسمر الداكن، يدوية الصنع، كما صنعوا هم تاريخهم بسواعدهم الدقيقة، ارتضت أن تنطلق من الأزقة الضيقة والشوارع الجانبية تحت ظلام الليل، وصخب النهار.
منى مذكور


