الناس بدأوا يفرحون قليلاً، ولكن أقل بكثير من الماضي، إذ إنهم يعانون من حصار كبير، هو جزء من حصار معارك الأحزاب السياسية، وانتشار العنف والإرهاب ، والخوف من المستقبل المبهم، وانتشار الأمراض الجديدة، وتلوث البيئة، وتكاثر الأزمات الاقتصادية، وكثرة البطالة، والتخوف من المهاجرين، وارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، حصار يمتلك القدرة في ان يأخذ بالإنسان إلى داخل دورات العصاب والاكتئاب النفسي الدائم، ويحوله إلى رجل ضعيف لا يعرف للفرح طعماً.
في آخر استطلاع للرأي تم إجراؤه مؤخراً في بعض بلدان أوروبا عن معدل الضحك والابتسام لدى الناس أظهر تراجعاً كبيراً عن النسب المحققة في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، ففي كل من فرنسا وايطاليا، تبين ان 8% من الذين أجريت عليهم هذه الاستفتاءات يضحكون اقل من (5) دقائق في اليوم الواحد و24% من المستفتين أعلنوا إنهم يضحكون اقل من دقيقة واحدة في اليوم، أما النسبة الكبيرة من الناس وهي 68% فإنهم لا يجدون المتسع من الوقت للضحك أو الابتسام في حياتهم اليومية.
لقد كان الضحك والابتسام في الماضي، موضوع خصام وجدال عريض ما بين الشعراء والفلاسفة، فالفيلسوف « كانط » كان يقول« إن الضحك هو تفريغ للطاقة بالجد»، أما فرويد فقد قال( إن الضحك هو الرغبة في العودة إلى الطفولة)، في حين يقول الفيلسوف برغسون «إن الضحك والابتسام هما أداة لتشجيع النقص النفسي والجسدي، لأجل خلق الاستقرار والتوازن» وقد ورد ذكر هذه الظاهرة في الكتب والآداب» قلب فرح يمكن ان يشفي صاحبه كالدواء، اما الصينيون القدماء فقالوا« الابتسامة تجلب الفرح» وفي القرن السادس عشر قال احد الحكماء الايطاليين وهو جوفاني كريستمسمو «ان الابتسامة تفتح الطريق نحو التحريم».
نعرف بأن الرغبة في الضحك صاحبت تاريخ وجود الإنسان منذ البداية وحتى وقتنا الحاضر، وان انحسارها يتعلق بعملية النمو والارتقاء، حيث يمثل الإنسان آخر حلقة في سلسلة التطور الحي، وهو أي الإنسان يمتلك عضلتين أساسيتين تساعدانه على الضحك والابتسام وهما العضلة الضاحكة العليا وعضلة الزيكوماتيك، هما تساعدان في سحب الفم، أما بالنسبة للحيوان فلا توجد هاتان العضلتان في فمه، ولهذا فالحيوان محروم من ظاهرة الضحك. وقد ينخدع البعض من الناس حين يرى صوراً لحيوانات تضحك، والحقيقة انها ليست ضحكات وإنما إشارات للرضا والارتياح، وهي وحدها التي تقابل ظاهرة الضحك لدى الإنسان.
الطفل يبتسم بعد ساعات قلائل من ولادته، وابتسامته هي تعبير عن استعداداته للتواصل والدخول إلى العالم، انه مخلوق ضعيف وغير واثق، وابتسامته تخدمه للدفاع عن الصعوبات والمخاوف التي يشعرها وهو يجابه العالم. وحالة الطفل الصغير تكاد لا تختلف كثيراً عن حالة الكبار، ذلك ان الشخص الكبير يستخدم الابتسامة أو الضحكة في أحيان كثيرة لأجل التواصل مع وسطه الاجتماعي، ولمجابهة بعض المواقف الصعبة في حياته اليومية، اذ ان هذه الظاهرة تدخل ضمن الواقع الثقافي للجماعة، أو المجتمع الذي ينتمي اليه الفرد.
والمرأة بشكل عام تبتسم أكثر من الرجل لأنها اجتماعيا أكثر نموا من الرجل، ولأنها في اغلب المجتمعات الإنسانية تعاني من التزمت والانغلاق والتطويق والقمع، وابتسامتها الأنثوية بمثابة تعريف بموقعها ووجودها، تخدمها للتواصل الاجتماعي. والذكور يعتبرون ابتسامة المرأة بمثابة القوة التي يشعرها ويفرضها الرجل داخل مجتمعه.
وقد حفل الأدب الإنساني بجميع اتجاهاته بهذه الظاهرة، كما ان الفنون الإنسانية هي الأخرى رصدت حيزا كبيرا لمعالجة هذه الظاهرة، وأشهر ابتسامة للمرأة في التاريخ الفني هي التي تحملها لوحة«لموناليزا» التي رسمها الفنان الخالد ليوناردو دافنشي، حيث أمضى أكثر من أربع سنوات في رسمها، ولم يفترق عنها حتى وفاته.
وهي ابتسامة امرأة من الطبقات الوسطى يجمع العديد من النقاد والمؤرخين على انه لم يكن لها وجود على الإطلاق وهي ثمرة خيال ليوناردو واللوحة المحفوظة الآن بمتحف اللوفر بباريس، ما زالت إلى يومنا هذا شاهدا غريبا تكتب عنه الدراسات وتحاك عنه الروايات وآخرها رواية «شفرة دافنشي» التي ترجمت إلى أكثر من 75 لغة عالمية.
الابتسامة أو الضحكة إضافة إلى انها استعراض لطاقة إنسانية متكاملة من الفرح، الا انها أيضا سلاح، ليس للدفاع وإنما للهجوم ايضا، يمكنها ان تقتل صاحبها، اذ ان استهزاء ساخرا يمكنه ان يفسد العناد الشخصي ما بين شخصين ويجعل احدهما ضحية للآخر. وقصص التاريخ القديم والحديث زاخرة بحوادث عرضت كيان أمم وحضارات وشعوب وأفراد للسقوط نتيجة ممارسة ذلك السلاح المدهش.
الأطباء يوصون مرضاهم بالفرح والابتهاج من اجل الخروج من قساوة المرض، كما يوصي علماء النفس بضرورة ترسيخ معايير جديدة من الفرح في حياة الفرد وثقافته وسلوكه وتفكيره للخروج من ظاهرة ضعف الألفة والتنافس والكبت.
وتسود الوسط الثقافي الأدبي مئات المجلات والكتب التي تعتبر الضحك والابتسام صناعة يجب ان نجيدها ونتعلمها جميعا، كلنا يتذكر( من ابناء جيلي الخمسيني) كتب المؤلف الأميركي (دايل كارنيغي) والتي شاعت فترة الستينات في عموم بلدان العالم ومنها البلدان العربية، وابرزها كتاب (دع القلق وابدأ الحياة).
الا ان كتاب الصحافي الأميركي (نورمان كويزنيس) والمسمى«استقلالية المرض» لا يزال إلى يومنا هذا يتصدر مبيعات الكتب في عموم أوروبا واميركا، والكتاب هو سيرة ذاتية للمؤلف نفسه عندما أصيب بمرض عضال، قرر الأطباء على ضوء فحوصاتهم المطولة ان حياة الصحافي سوف لن تتجاوز بضعة أشهر، وقد جعل ذلك الصحافي يتخذ قراره العاجل بالانتقال من المستشفى إلى احد الفنادق.
ذلك لأنه أي المؤلف كما يوحي بكتابه (بأن على المريض ان يجعل المستشفى آخر مكان يلجأ أليه) وبدأ علاجه الشخصي بشراء الأفلام والمسرحيات الكوميدية الضاحكة ليعرضها على نفسه بأوقات يومية محددة اضافة لتنظيم برنامجه اليومي بالمطالعة وتناول الأطعمة، والنتيجة فإن الصحافي استعاد عافيته وظل يكتب في كبريات الصحف الأميركية، وأصبح كتابه بعد أكثر من عشرين سنة من الموعد الذي قرره الأطباء لموته، أصبح بمثابة وصفة طبية من نوع جديد للعديد من الحالات المرضية.
كم هو حجم فرح الناس في العراق وفلسطين ولبنان ازاء سحب الموت القاتمة التي تحجب النور وتسد نوافذ الرجاء، لتزيد الظلمة والاختناق بالنفوس؟ هل هناك من يجرؤ على إجراء احصائيات يمكن الاستدلال من خلالها على عدد الدقائق التي تبتسم الناس فيها في هذه الدول ودول عربية وافريقية، وهي واقعة تحت سيف الجوع، وجميع الإرهابيين وهم ينشرون الموت في الشوارع والبيوت والأسواق ويكبرون كرة النار لتحرق كل البشر والحجر ويعم الخوف واليأس ويمحي ابتسامة الأطفال؟ انه مجرد سؤال فضولي لجنون العقل المتعطش إلى الدماء والذي يغتال فرح الناس المطلوب.
موسى الخميسي



