منتصف سبعينات القرن الماضي جاء محمود درويش إلى حلب وزحفنا يومها إلى كلية الآداب في الجامعة حيث فاض مدرج الجاحظ بالمئات الذين ظلوا خارجه يصغون إلى الشاعر عبر مكبر للصوت، وافترش مئات آخرون ممرات ومداخل المكان، وكانت قصيدة »أحمد العربي« تأخذنا إلى أقصى الحماس، وقصيدة »سجل أنا عربي« تعيدنا إلى المكان لنتلمس مشاعرنا متكاتفين متراصين لضيق المكان وفقر الواقع، ولكن كانت أحلامنا كبيرة.. كبيرة، وكان لدينا أمل في مكان ما.

ومنتصف السبعينات أيضاً جاء نزار قباني إلى حلب ووقتها فاضت الصالة الرياضية بآلافها إلى الشوارع المحيطة، لم يزحف إلى أمسية نزار عشاق وأحبة فقط، لقد كان عشاق الشعر مبكرين في الحضور، وكانت حلب حينها تفور حبا لشاعر بدأ أمسيته معتذرا لأنه تأخر ربع قرن ولأنه لم يضعها على خارطته الشعرية، ولكنه أقر قائلا: إذا كانت جميع طرق العالم تؤدي إلى روما وجميع دروب العرب تنتهي إلى دمشق، فإن كل مسالك العشق توصل إلى حلب.

بعدهما بسنوات عاد عمر أبوريشة إلى حلب منهكا من ترحاله ومنافيه ليحط مغردا في مدرج كلية الطب محاطا بحسناوات ظهرن فجأة في المكان، حسناوات لم تعتد عليهن أمسيات الشعر، تلك الأمسيات التي ترتبط في الذاكرة بمعان وجودية وبملابس الجينز السائدة وقبعات تحمل صورة غيفارا أو كوفية فلسطينية دلالاتها واضحة، تلك الرموز لم تكن طاغية في أمسية أبوريشة، كانت شديدة الأناقة والعذوبة، ومثل سابقتيها فاض المدرج الكبير بجمهوره المهندم الذي ظل وافقا لساعتين خارج المكان ليلقي تحية على الشاعر.

تلك السنوات كان الشعر بطلا في الحياة، وكان الشاعر فارسا، وكان يكفي أن تكون محبا للشعر لتشكل مشروع صداقة تدوم طويلا مع محبي الشعر، والذين يجيدون بناء الأحلام في حياتهم يجيدون غرس الأشجار التي يرويها الشعر فتكبر محبة وذكرى لأزمنة مقبلة، وكلما أوغل المرء في العمر سيتذكر تلك اللحظات التي قاده الشعر فيها إلى طرق منيرة، ليكتشف بعضا من أسرار الحياة، أو ليبقى قلبه حرا يقوده حيث الجمال والحب.

hussain@albayan.ae