ما نعرفه عن أسرار الكون قليل... وما نجهله هائل ماذا يشابه الكون؟ وما هي الأشياء المخبوءة التي يحتويها؟ وما هي مكانة كوكب الأرض في المجموعة الشمسية؟ وهل هو الكوكب الوحيد المأهول؟ هذه التساؤلات وسلسلة طويلة تتفرع منها هي موضوع كتاب «أضواء النجوم وألوان المخبوء»؟
المادة الأساسية التي يتعامل معها اندريه براهيك و إيزابيل غرونييه مؤلفا الكتاب هي تلك الصورة الباهرة والمبهرة التي تصل إلينا من الفضاء عبر أحدث التكنولوجيات. النتيجة الأولى التي يستخلصها المؤلفان أن الرؤية التي سادت حتى الآن عن الكون وقدّمته أنه «جامد» و«مستقر» حلّت صورة جديدة له وهو أنه «متبدّل» و«يكاد يغلي».
إن الكتاب يشرح آلية حركة الأجرام والمجرات من خلال ما تبديه من ألوان «طبيعية» وما يمكن التوصل إليه عبر استخدام مختلف التقنيات للتصوير «ما فوق البنفسجي» و«أشعة اكس» وغيرها. وينبّه القارئ منذ البداية إلى أن الصور العديدة التي قد يراها بين الحين والآخر في الصحف والمجلات والكتب «المختصة» للأجرام والنجوم إنما ليست بالضرورة «ألوانا حقيقية» وتعكس الألوان التي تتحدث عنها. وما يرمي إليه هذا الكتاب تحديدا هو إظهار «ألوان ما هو مخبوء» من هذه المجرّات والكواكب، وليس إظهاره فقط وإنما أيضا شرح آليات «رؤيته».
يقدم المؤلفان نبذة عن علم الفلك وتاريخه وموضوعه الحقيقي وما أنجزه من تقدم خلال العقود الأخيرة من الزمن. ولكن ما يرافقه أيضا من شكوك وما لا يزال هناك من إشارات استفهام كبيرة ومناطق ظليلة إلى درجة إمكانية طرح السؤال: هل من العقل تأمّل فهم الكون الذي نعيش فيه ؟ كما نقرأ.
يحاول الكتاب الدخول في صلب الموضوع للحديث عمّا تقدمه التكنولوجيا الحديثة من إمكانيات رؤية أكثر وضوحا وواقعية حول الأجرام السماوية وذلك عبر الجمع بين ملاحظات ومعلومات يتم الوصول إليها عبر »تقاطع« ما تقدمه تقنيات وأنماط سبر مختلفة.
وذلك على غرار تصوير الجسد الإنساني تحت الضوء الطبيعي مما يقدم من معلومات عن »سطح الجلد ثم يقدم لنا استخدام الأشعة ما فوق البنفسجية، ومعلومات عن حرارته الخارجية بينما توفّر أشعة اكس معلومات عن هيكله العظمى. وما تؤكده شروحات الكتاب هو أن النظر إلى كوكب ما عبر الأشعة ما تحت الحمراء تسمح بالتعرّف على توزيع النجوم المعمّرة بينما أن استخدام »الأشعة ما فوق البنفسجية يخص النجوم الشابة . وتتم عبر هذه الآليات المتعددة المقارنة بين الشمس وعدة كواكب أخرى.
ويشرح المؤلفان وبالتفصيل ما يسميه بـ «ولادة النجوم وموتها »، وذلك عبر الصور المأخوذة عبر تقنيات مختلفة والقيام بقراءتها. ومن خلال آليات معقّدة تبدو بنى بشكل فقاعات هائلة وأعمدة يعلوها ما يشبه القبّعة تتقارب فيما يشبه عملية ولادة كوكب جديد. ثم يتم القول ان موت الكواكب لا يثير ولادة كواكب أخرى فحسب ولكن ينتج عنه أيضا نوع من الغبار والجزئيات العضوية المعقّدة إلى هذه الدرجة أو تلك.
ويكرس الكتاب حوالي نصف صفحاته للصور التي جرى استقبالها، بمختلف الوسائل، من الفضاء. ويقوم المؤلفان من خلال شرحهما لهذه الصور للكون وهو «يفور مثل الشمبانيا» على حد قولهما. هكذا يمكن للقارئ أن يتعرّف «بشكل أفضل» على الكواكب وفيما يخص كتلتها وحجمها وتكوينها ودرجة حرارتها وما تلفظه باستمرار من «مواد»، ومعلومات أكثر أيضا عمّا يسمّى ب«الثقوب السوداء» و«النيازك» و«الشهب». وهذا كله بأسلوب «روائي» جذاب.
ولكن بعد هذا كله، وبعد كل المعلومات التي يقدمها هذا الكتاب، لا يتردد في أن يذكّر قارئه بجملة كان قد قالها ذات يوم عالم الرياضيات والفلكي والفيزيائي لابلاس وجاء فيها إن ما نعرفه ليس سوى بالنذر القليل، أمّا ما نجهله فهو هائل .
بل ويتم التأكيد على أن ما تمّ التمكن من «رؤيته» من الكون لا يتجاوز في أفضل تقدير نسبة 20 بالمئة. والباقي مادة سوداء، وطاقة سوداء، ومن طبيعة غير معروفة« حتى الآن. لكن «الفيزياء وعلم الفلك» هما في حالة ثورة مستدامة. وما يتم اعتباره صحيحا اليوم قد لا يكون كذلك بعد 20 سنة أو عشر سنوات أو ربما خلال الشهر القادم. وأمام هذا كله يرى مؤلفا الكتاب ضرورة «التقدم»، إنما بحذر وتواضع.
500 مليون كوكب
ان الكون الذي نعيش فيه يضم 500 مليون كوكب جرى رصدها هو كون في حالة تطور «لا يتوقف». وان العقود الأخيرة سمحت ب«رفع الستارة» كثيرا عن أشياء «مخبوءة» كثيرة بفضل مناظير مراقبة النجوم المتقدمة والمراصد الفلكية والمسابر الفضائية والأقمار الصناعية. ويبينان في نفس السياق المسافة الهائلة التي قطعتها «المعارف الفلكية» منذ زمن اليونانيين القدامى ومعتقدات شعوب بلاد ما بين النهرين القديمة وغاليليو وكيبلر وكوبرنيك وغيرهم.
المؤلفان في سطور
اندريه براهيك عالم فلك وفيزيائي فرنسي نال شهرة عالمية عبر اكتشافه لما يسمى ب»حلقات نبتون« في عالم الأفلاك. يعمل أستاذا في جامعات باريس. عمل مع فريق من الباحثين على نظرية الفوضى وديناميات المجرّات وتكوّن المنظومة الشمسية«، وهو أحد أهم الخبراء العالميين في هذه المشارب حاليا، أما السيدة إيزابيل غرونييه تعمل مع المؤلف في ميدان علم الفلك. قدّم براهيك ثلاثة كتب حاول فيها «تقريب» علم الفلك والعلوم الدقيقة للقارئ العادي، هي «أبناء الشمس» الصادر عام 1999 و«مجرّات وأقمار صناعية» عام 2001 و«أضواء النجوم، ألوان المخبوء» عام 2008.
الكتاب: أضواء النجوم، ألوان المخبوء
تأليف: اندريه براهيك، إيزابيل غرونييه
الناشر: اوديل جاكوب باريس2008
الصفحات: 280 صفحة
القطع: المتوسط
Lumières d'étoiles, les couleurs de l'invisible
André Brahic, Isabelle Grenier
Odile Jacob- Paris 2008
P.280
