يسلط شارلوت دودينياك وفرانسوا موجيه مؤلفا كتاب «الموسيقى المحاصرة» الضوء على قضية الملكية الفكرية التي أطاحت بها التكنولوجيا المتطورة وهي أن «صناعة الموسيقى» تعاني من أزمة كبيرة. والمتهم الذي يشار إليه بأصابع الاتهام معروف أيضاً عملية النسخ الموسيقي عبر شبكات الانترنت وغيرها في زيادة مستمرة، وبالتالي تتضاءل أكثر فأكثر المبيعات في المتاجر المختصّة، والنتيجة التي يتم التأكيد عليها هو أن قطاع الإنتاج والتصنيع الموسيقي يسير نحو «تغيرات» راديكالية.
هذه «التغيرات الراديكالية» يحددها المؤلفان ب«اختفاء» بعض بيوت الإنتاج وزيادة هشاشة وضع الموسيقيين الذين يعانون أصلا من وضع صعب. وإذا كان الموسيقيون والمبدعون هم على رأس قائمة «ضحايا» الأزمة الموسيقية الراهنة، فإن هناك بالمقابل من يستفيد منها. المستفيد الأكبر يتم تحديده ب«حفنة الشركات الكبرى متعددة الجنسيات وضعت يدها على هذا القطاع» كما تشير الدلائل الكثيرة المقدّمة فيما يتعلّق بآليات الإنتاج والتوزيع ولكن أيضاً ب«الشروط الثقافية» التي تحيط بقطاع الموسيقى.
ومن الخصوصيات التي يتميز فيها هذا الكتاب هو أنه لم يكتف بالتحليل ولكنه أعتمد على رأي بعض العاملين في القطاع الموسيقي. وإذا كان هناك أجماع على القول ان قطاع الموسيقى يعاني من أزمة كبيرة، فإن مؤلفي الكتاب أكدا على ضرورة القيام بمنعطف «لا بد منه» بحيث يأخذ بعض العاملين في هذا القطاع وخاصة الموسيقيين الأمور بيدهم اتجاها نحو «الموسيقى... العادلة». فإذا كانت التجارة العادلة قد طالت حتى الآن القهوة والأرز والسكر ومنتجات الحرف الصغيرة وأشياء أخرى كثيرة، فإنه ليس هناك ما يمنع أن تصبح «تجارة» الموسيقى «عادلة» هي الأخرى.
وهنا يطرح المؤلفان السؤال التالي: إذا كانت الموسيقى «منتجا» يباع فلماذا لا تتم أقلمتها مع نمط التبادل الناجح الذي عرفته التجارة العادلة عموما؟
تجربة «الموسيقى العادلة» بدأت فعليا في فرنسا ولهذا فإن الحديث عن «الموسيقيين العادلين» من أمثال مجموعة «دياد للانتشار الموسيقي» أمراً مطلوباً خصوصاً أن هذه المجموعة هي عبارة عن جمعية موجودة في مدينة غرونوبل الفرنسية وتعمل مع فنانين من المغرب ويتم توزيع الأرباح على أهالي قرى الموسيقيين، أو مثل مجموعة «ديزيرت روبيل» التي تدفع أجورا لموسيقيين من الطوارق حسب معايير أكثر عدالة أو مجموعة «فيربلاييست»التي تضم حوالي مئة موسيقي من المنضوين تحت لواء «ميثاق الموسيقى العادلة» الذي يؤكد على منح «أجور عادلة» للموسيقيين وعلى التضامن بين أعضائها.
وبعد أن يقدم المؤلفان شروحا وافية عن المبادئ الأساسية للتجارة العادلة يتساءلان عن إمكانية تطبيقها حقيقة على قطاع الموسيقى. إن الإجابات المستعرضة تختلف وتتراوح بين التأكيد على «إمكانية» ذلك. والتأكيد على «عدم إمكانية» ذلك، وما بينهما.
ويصل المؤلفان في تحليلاتهما اعتمادا على دراسة العديد من التجارب الملموسة إلى القول إن «أزمة قطاع الموسيقى هي أزمة قيم قبل أن تكون أزمة اقتصادية». وإذا كانا يلفتان الانتباه إلى وجود مشكلة حقيقية تتعلق ب«النسخ الموسيقي» غير المشروع قانونيا إنهما يركزان على الدور «المدمّر» الذي تلعبه الشركات الكبرى التي لا تولي أية أهمية ل«الفنان» ولدفع أجور «عادلة» أكثر له. بل على العكس هو الذي تتم «التضحية» به غالبا لصالح المنتج أو المستهلك. وما يقترحه المؤلفان بالتحديد هو صياغة إطار جديد يجعل من «الفنان» المحور المركزي في عملية «التصنيع» الموسيقي كله.
وتجمع الحلول المقترحة للخروج بالصناعة الموسيقية من المأزق الذي تعاني منه إلى التأكيد على مسألة «الشفافية» في الحسابات وتقليص عدد الوسطاء إلى أقصى حد ممكن بين الفنان ـ الموسيقي وبين الجمهور الذي يتوجه أساسا له، بحيث يمكن دفع «الحلم» إلى حد أن يقيم كل فنان «مشروعه» الخاص. وذلك كله أيضاً في منظور «مستقبل أكثر عدلاً» بالنسبة للموسيقى. هذا الكتاب هو أبعد من الموسيقى، يطرح في الواقع العديد من الأسئلة حول «مستقبل الثقافة» كلها في وقت تسود فيه مفاهيم التكنو- صناعة.
الحفاظ على التعددية
الوصول إلى تطبيق «ميثاق الموسيقى العادلة» يتطلب بالضرورة تغييراً كبيراً في الذهنيات لدى الموسيقيين، ولكن أيضاً لدى المستهلكين وأن الانتقال إلى «الموسيقى العادلة» يمكن أن يفرض نفسه مستقبلا بدافع ضمان المردودية «الاقتصادية» في القطاع المعني من أجل تعزيز موقع الموسيقى وزيادة قيمتها، ولكن أيضا، وخاصة، من أجل المحافظة على التعددية الثقافية، وكذلك من أجل تحديد «صحيح»لمكانة الموسيقيين في المجتمع.
مؤلفا هذا الكتاب هما باحثة اجتماعية واقتصادية ومنتج أسطوانات موسيقية، شارلوت دودينياك، أخصائية بما يسمى ب»التجارة العادلة« والاقتصاد الاجتماعي، وفراونسوا موجيه يقوم بإنتاج الموسيقى وتنظيم الحفلات منذ أكثر من عشر سنوات.
المؤلف في سطور
الكتاب : الموسيقى المحاصرة من صناعة مأزومة إلى الموسيقى العادلة
تأليف : شارلوت دودينياك، فرانسوا موجيه
الناشر : ليشابيه باريس 2008
الصفحات : 183 صفحة
القطع : المتوسط
La musique assiégée:
d'une industrie en crise à la musique équitable
Charlotte Durignac, François Mauger
L'Echappée- Paris 2008
P.183

