يعود هانس بليكس في كتابه « لماذا مسائل نزع السلاح النووي» إلى طرح قضية مخاطر انتشار سلاح الدمار في إطار أوسع وأشمل. ويشير الإهداء الذي استهلّ به عمله بالخلفية التي تقوم عليها تحليلاته، إذ نقرأ فيه: »هذا الكتاب مهدى إلى الأجيال الشابة الذين عليهم أن يصنعوا عالمهم في ظل نزع الأسلحة وسيادة الأمن«.

يبدأ هانس بليكس مقدمته بالإشارة إلى أنه كان قبل 60 سنة طالبا في جامعة «ابسالا» بالسويد، بلاده. كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت للتو وقامت منظمة الأمم المتحدة. بدت عندها ملامح حقبة جديدة يسود فيها السلام على صعيد العالم كله. لكن ذلك التفاؤل خبا سريعا مع حلول الحرب الباردة التي استمرت أكثر من أربعة عقود. ويشير بليكس إلى أن كوريا الشمالية كانت قد «اختبرت» مؤخرا سلاحا نوويا وأن العديد من الحكومات «تشك» أن إيران تحاول تطوير قدراتها على صعيد تخصيب اليورانيوم في أفق التزود بالسلاح النووي.

لكنه يشير بالمقابل إلى أن بريطانيا أعلنت أيضاً عن برامج لتطوير أسلحة نووية جديدة وأن إدارة جورج دبليو بوش تتهيأ لإنتاج جيل جديد من الأسلحة النووية «بومبليكس». هذا فضلا عن برامجها لنصب دروع صاروخية في كل من بولندة والجمهورية التشيكية. الدول الكبرى الأخرى لديها أيضاً برامجها والأرقام التي يتم تقديمها كـ «كلفة اقتصادية» هائلة وتصل إلى 3,1 تريليون دولار سنويا، نصفها يتم انفاقها في الولايات المتحدة الأميركية.

ويرى بليكس أن عامي 2006 و2007 لم يكونا عامين «بارزين» في تاريخ نزع الأسلحة الفتّاكة فخلالهما قامت كوريا بتجريب السلاح النووي، وكانت الهند والباكستان وإسرائيل قد امتلكت هذا السلاح في الفترة التي تلت التوقيع على اتفاقية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل عام 1968، لكن هذا لا يمنع أن تلك الاتفاقية قد ساعدت في عدم سعي «عشرات الدول»، كما كان متوقعا، للحصول على السلاح النووي. ويربط المؤلف بين السعي للحصول على مثل هذه الأسلحة وبين وجود أخطار محيطة، حقيقية أو مفترضة، وبالتالي يمكن لإقامة أجواء مسالمة المساهمة في الحد من انتشارها.

ويؤكد بليكس في التحليلات المقدمة على أهمية أن تُعطى البلدان «ضمانات أمنية» حقيقية من أجل عزوفها عن تطلعاتها للحصول على الأسلحة النووية فـ «البلدان» التي تسعى للحصول على القنبلة تحس في أغلب الحالات أنها معرضة للتهديد . ويرى أنه طالما يستمر التهديد فإن البلدان المعنية قد تفكّر بالبحث عن الضمان الأمني عبر الوصول إلى امتلاك أسلحة الردع اللازمة. ويطالب بتقديم الضمانات لإيران وينصح بعدم العمل على تغيير النظام القائم. ومثل هذه الضمانات قد تشكل دافعا حقيقيا للتفكير لدى المعنيين.

المثال الذي يضربه يتعلق بكوريا الشمالية التي قبلت مقابل مثل هذه الضمانات بإغلاق المفاعلات النووية إذا تمّ توفير مصادر الطاقة لها وبتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية واليابان. ويشير إلى أن السلطات الإيرانية تؤكد قيامها بتخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية، وبمعزل عما إذا كان ذلك صحيحا أولا فإن الأمن في هذه المنطقة من العالم شديد الحساسية . وهو يستحق »عناء البحث« عن حلول بالطرق الدبلوماسية بما في ذلك تأمين مصادر مستقلة خارجية للمساعدة على إتمام دورة التوصل إلى الطاقة النووية المدنية.

لكن الأمر المثير للقلق، كما يقول المؤلف، هو الوفرة الكبيرة في المعلومات التقنية بحيث يمكن لعدد كبير من الدول الحصول على السلاح النووي في أفق السنوات العشر القادمة. ويؤكد على المسؤولية الكبيرة تقع على عاتق الولايات المتحدة الأميركية فيما يخص مسألة انتشار الأسلحة النووية. ذلك أنها بتهديدها اللجوء إلى قصف كل من تسوّل له نفسه محاولة الحصول على السلاح النووي إنما تزيد لديه الإحساس أنه بحاجة إلى هذا السلاح.

لذلك لا بد من »مقاربة جديدة لمسألة الحد من انتشار الأسلحة النووية. ذلك أنها بتهديدها اللجوء إلى قصف كل من تسوّل له نفسه محاولة الحصول على السلاح النووي إنما تزيد لديه الإحساس أنه بحاجة إلى هذا السلاح. لذلك لا بد من مقاربة جديدة لمسألة الحد من انتشار الأسلحة النووية. لكن مثل هذه المقاربة قد تكون عسيرة إذا استمرّت الدول المالكة للسلاح النووي بـ «الاحتفاظ به» . فطالما أن هناك من يمتلكه، فلا بد لأولئك الذين لا يمتلكونه من طرح السؤال: لماذا هم وليس نحن؟

ومن الأفكار الأساسية التي تتردد في هذا الكتاب، تأكيد مؤلفه أنه من المستبعد جدا أن تقوم إحدى الدول الخمس المالكة للأسلحة النووية باستخدامها ضد أخرى. وبهذا المعنى يكون خطر نشوب حرب بين الدول الكبرى قد تضاءل. وإذا كانت أرض أوروبا مشرّبة بالدماء بعد حربين عالميتين شهدهما القرن العشرين فإن الحرب لم تعد واردة في هذه القارة القديمة. وفي المحصلة إذا كان خطر الحرب بين الدول قد خفّ في السياق الدولي الراهن، فإن الأمر مختلف بالنسبة لغير الدول وحيث يمكن لزيادة انتشار الأسلحة النووية أن تسهّل الحصول عليه من قبل هذه المجموعة أو تلك.

تدمير الحضارة

فترة الحرب الباردة عرفت أكثر من 500000 مقذوف نووي قادرة على تدمير الحضارة الإنسانية كلها، ويؤكد المؤلف أن نهاية الحرب الباردة ونهاية الانقسام الإيديولوجي الثنائي في العالم فتح الآفاق من جديد لقيام تعاون شامل. لكن هذه الآفاق لم تسمح بالذهاب بعيدا في التفاؤل. بل وجدت معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية الموقعة عام 1968 نفسها بمواجهة تهديدات عديدة. كما أن دولا عديدة جديدة قد دخلت إلى نادي البلدان المزوّدة بالسلاح النووي.

المؤلف في سطور

عمل هانس بليكس، مؤلف هذا الكتاب، رئيسا لفريق المفتشين الدوليين في العراق ما بين شهر مارس 2000 وشهر يونيو 2003، وذلك في إطار مهمة البحث عن أسلحة الدمار الشامل. وفي شهر مارس 2003 عندما قامت الولايات المتحدة بغزو العراق لم يتم العثور على أية أسلحة من ذلك النوع. وكان هانس بليكس قد عمل لسنوات طويلة في الوكالة الدولية للطاقة. وقد أولى اهتمامه باستمرار للمسائل المتعلقة بنزع الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل على المستوى العالمي. سبق له وقدّم كتابا تحت عنوان: »نزع أسلحة العراق«، تحدث فيه عن تجربته كرئيس لفريق مفتشي الأمم المتحدة في هذه البلاد.

الكتاب: لماذا مسائل نزع السلاح النووي

تأليف: هانس بليكس

الناشر: بوسطن رفيو بوك 2008

الصفحات: 95 صفحة

القطع: الصغير

Why nuclear disarmament matters

Hans Blix

Boston Review Book 2008

P.95