يصيغ مارك بيرلمان في كتابه الجديد «الرياضة البربرية: نقد وباء عالمي » نظرية نقدية للرياضة. والظاهرة الأولى التي يتم التأكيد عليها هي أن الرياضة أصبحت ذات طابع «مؤسساتي». فالحديث أصبح مألوفا عن دروس «التربية البدنية» في المدارس، وأصبحت هناك وزارات ل«الرياضة» في مختلف بلدان العالم.

اختصارا يقول بيرلمان إن المؤسسات والهيئات التي تقرر شكل البنى الرياضية ونشرها وفرضها لا تعدّ ولا تحصى«. وفي المحصلة أصبحت الرياضة الآن نشاطا مألوفا وشائعا لدى مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية، من أكثرها فقرا إلى أكثرها غنى وثروة ومن الأنظمة الدكتاتورية الطاغية إلى الديمقراطيات الأكثر عراقة في العالم. لكن الرياضة، وفيما هو أبعد من أهميتها البدنية والمجتمعية، أصبحت الآن بمثابة حصان طروادة لليبرالية الرأسمالية بنظر البعض، ومن هؤلاء مارك بيرلمان، مؤلف هذا الكتاب.

وما يتم التأكيد عليه هو أن الرياضة قد أصبحت خلال عدة عقود قليلة من الزمن الظاهرة الأكثر كونية خلال القرن العشرين، لتغدو دينا حقيقيا في القرن الحادي والعشرين ، كما تدل التحليلات المقدّمة في هذا الكتاب. ويكفي للتدليل على مثل هذا الواقع ملاحظة الأعداد المتعاظمة التي «تتعبا» بشكل تلقائي في الملاعب الرياضية أو أمام شاشات التلفزة في المنازل، أو في المقاهي، أو في الساحات العامة من أجل متابعة هذا الحدث الرياضي «الكبير» أو ذاك. هذه الجموع كلها لا تتردد في الطواف بالشوارع وهي تهتف «لقد انتصرنا»، «لقد انتصرنا» إذا فاز الفريق الذي تدعمه على مختلف المستويات المحلية أو الإقليمية أو العالمية.

ويرى المؤلف أن الرياضة، وبواسطة بناها المحلية أو الوطنية أو الدولية، قد ارتقت إلى مستوى «سلطة حقيقية» من خلال قدرتها على «التغلغل» في جميع نشاطات المجتمع المعني بها. وهي تبدو بمثابة «الحربة» في جيش قد تكون الجماهير التي تعبئها هي في مقدمة ضحاياه. ويدفع المؤلف مثل هذا النهج من التحليل إلى أقصى ما يمكن عندما يرى في الرياضة »مشروع مجتمع لا مشروع لديه«.

ولا يتردد بيرلمان في أن «يسدي النصيحة» لمشجعي فرق كرة القدم المعروفة في بلاده مثل «أولمبيك مرسيليا» أو «باريس سان جيرمان» أو غيرها، أو مشجعي فريق رياضة «الركبي» الوطني الفرنسي ب»عدم قراءة« هذا الكتاب. إنه في الحقيقة يقوم ب«إدانة» قوية ل«رياضة المنافسة» التي يصفها ب«الوباء العالمي».

ويتمثل أحد الوجوه السلبية في الرياضة اليوم يكون أنها «تصنع الشرعية على النظام القائم، مهما كانت طبيعته»، كما يقول مارك بيرلمان الذي يصف الرياضة بأنها أحد أكبر المنظومات الشمولية - التوتاليتارية- في العصور الحديثة. وهي «شمولية»، كما يقدمها، من حيث النفوذ الذي تمارسه على المجتمعات وعلى الأفراد. ثم إنها شمولية من حيث تواجدها في كل مجال وكل مكان، إنها موجودة على لوحات الإعلانات وفي وسائل الإعلام وتتخلل محادثات الجميع في أغلب الأحيان. هذا وقد استطاعت أن «تتعولم» بواسطة بناها المختلفة.

إن المؤلف لا يتردد في «السباحة ضد التيار» ويقوم بعملية انتقاد شديدة ضد أولئك المثقفين الذين أصبحوا من «أبواق»الرياضة أو «الذين جعلتهم الكرة أطفالا من جديد»، حسب تعبيره . ولا يتردد أيضا في القول إن الرياضة ليست وسيلة من أجل «كبح العنف»، كما قال العديد من علماء الاجتماع والمفكرين الذين ركّزوا على «الوظيفة السلمية» للرياضة. يقول مارك بيرلمان: إن الرياضة لا تؤدي إلى كبح العنف أو قنونته، كما يعتقد بعض المفكرين الساذجين، إنها على العكس تخلقه وتولّده وتنشره في كل مكان . هؤلاء المثقفون يلتقون و يتقاطعون في سلوكيتهم بالقادة السياسيين الذين يتوافدون على المنصّات الرياضية.

ويصل المؤلف في نقده للرياضة إلى حد العنف في حديثه عندما يقول: إن الرياضة تنهي كل شيء في طريقها وتصبح المشروع الوحيد لمجتمع بدون مشروع. إن الأمة لم تعد هي شعب وإنما هي فريق رياضي. ولم تعد حدود وطن وإنما ملعب، ولم تعد لغة وإنما الصرخات العشوائية للمشجعين. أما الرياضيون الكبار من أصحاب الملايين فقد تحولوا إلى مروجي إعلانات والمبادرات أصبحت بالدرجة الأولى ذات أهداف اقتصادية.

باختصار غدت الرياضة إحدى مكونات المنظومة الرأسمالية بل وفي مقدمة السلع الرائجة في السياق الراهن في ظل التوجه المفرط نحو الاحتراف والتسويق الذي تشهده المظاهرات الرياضية، وبحيث لم يعد بمقدور الأفراد أن يجدوا أنفسهم في الرياضيين. إن مؤلف هذا الكتاب ليس بعيدا عن الدعوة إلى مجتمع دون رياضة ..إنها وجهة نظر.

الرياضة أفيون الشعوب

أصبحت الرياضة نوعا من سلعة الجسد ، وأصبح هدفها البحث عن «الكمال البدني» من أجل «الكمال البدني»، مثلما أن هدف الرأسمالية هو القيمة الزائدة من أجل القيمة الزائدة . ولا يتردد مارك بيرلمان في القول إن الرياضة قد أصبحت «أفيون الشعوب». وهي ببحثها عن اختيار النخبة بين الشعوب إنما تؤكد على نوع من الدكتاتورية لانتقائية، والرياضة أصبحت دافعا لتعاظم النزعات القومية المتشددة.

المؤلف في سطور

مارك بيرلمان، مؤلف هذا الكتاب، هو مهندس معماري في تكوينه الأساسي ثم قام بالدفاع عن أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في الفلسفة حول «العلاقات بين الجسد والهندسة المعمارية». يعمل الآن أستاذا لعلم الجمال في جامعة باريس العاشرة. وكان قد قام بالتدريس في جامعة »ليل« بشمال فرنسا. أسس في عام 1986 دار نشر »باسيون« وظل على رأسها حتى عام 2003 ومن مؤلفاته: «بناء الجسد والهندسة المعمارية» و«المثقفون وكرة القدم» و«الملعب البربري، رعب المشهد الرياضي»، الخ.

الكتاب: الرياضة البربرية، نقد وباء عالمي

تأليف: مارك بيرلمان

الناشر: ميشالون باريس 2008

الصفحات: 91 صفحة

القطع: الصغير

Le sport barbare, critique d'un fléau mondial

Marc Perelman

Michalon ? Paris- 2008

P.91