يبحث دافيد روتكوف عموما في «صعود النخب وانحطاطها» خلال المسيرة الإنسانية الطويلة، والنخب وعلاقتها بالسلطة، أو بالأصح بـ «لسلطات بصيغة الجمع»، سلطة التاريخ وسلطة المؤسسات وسلطة المال وسلطة القوة وسلطة المؤسسات وسلطة المال وسلطة الشبكات.
ويكرس المؤلف أحد الفصول لما يسميه لحظة الشركات متعددة الجنسيات ، أي اللحظة التي يسيطر فيها رأس المال وعالم الأعمال على كل شيء في عصر العولمة و لسلطة المعولمة و الصناعة المعولمة و الزعامة المعولمة . ويركز دافيد روتكوف على «عصر عدم التكافؤ» الذي يتسم كما يتم تقديمه بـ «انحطاط العمالقة وصعود محاربي الظل». ويطور المؤلف هذه الفكرة التي تعرّض لها العديد من الباحثين والمفكرين بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 حيث استطاعت مجموعة من محاربي الظل أن تتحدى القوة العظمى الوحيدة في العالم اليوم.
ويكرس روتكوف لـ «سلطة الأفكار» في عصر تفوق وسائل الإعلام. حيث يبحث ظاهرة استخدام سلطة«الصورة» من أجل خدمة هذه القضية أو تلك. وما يعبّر عنه المؤلف بالقول: إن الأسلحة الرئيسية للإرهابي، في واقع الأمر في العدسة التلفزيونية (الكاميرا) وشبكة الانترنت وصفحات الجرائد . وبمقدار ما يكون رد الفعل الإعلامي على هذه العملية أو تلك يكون أيضاً مدى نجاحها . ويتم الحديث في هذا الإطار عن دور العديد من مواقع الانترنت ولجوء المنظمات السرية إلى بث «أشرطة مسجلة» عبر وسائل الإعلام المرئية بشكل خاص.
يبقى الموضوع الأساسي في مختلف فصول الكتاب هو ما جاء في العنوان الرئيسي بخصوص «الطبقة العليا» والتي تعني النخب بكل أنواعها ومشاربها واهتماماتها وميادين نشاطها. هذه النخب تمثل في واقع الأمر عددا محدودا جدا من البشر الذين يملك كل منهم مليون دولار. ويقدّر المؤلف عددهم بستة آلاف شخص في عالم يفوق عدد سكانه الستة مليارات نسمة. هذه النخب تغطّي طيفا اجتماعيا »عريضا«، فهم متواجدون في الحكومات وفي أكبر الشركات وهم يمثلون محركات التمويل الدولي ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية المعلنة، والخفيّة، كما أنهم يتواجدون في أوساط المجرمين الخطيرين والمنظمات الإرهابية.
وما يؤكد عليه روتكوف هو أن هذه «الطبقة العليا» قد بلغت في السياق المعاصر درجة لا سابق لها في التاريخ على صعيدي الثروة والسلطة. وهذه الطبقة عرفت كيف تتعولم قبل أية مجموعة أخرى. هذه القدرة في التكيّف سمحت أيضاً لشرائح هذه الطبقة بالرقابة على العولمة أكثر من غيرها. إن المؤلف يبرهن على السلطة الكبيرة التي تمتلك عليها النخب، ولكنه يذهب أبعد من البرهان على ذلك إذ يبحث في آليات ممارسة هذه النخب لسلطتها وأثرها في مجال التنمية الاقتصادية ودورها الاجتماعي الذي يراه باختصار عاملا في زيادة مدة اللامساواة في المجتمع.
ويحاول أن يصطحب معه قارئه إلى كواليس مؤتمر دافوس للبلدان الغنية أو يدلس معه إلى اجتماعات الأعمال في صالات الفنادق الكبرى أو على متن الطائرات وهي على بعد 000 41 قدم. ويحاول دافيد روتكوف في هذا السياق الإجابة عن السؤال التالي: من يحدد قواعد اللعبة بالنسبة لمجموعة لها قوانينها التي قد تتجاوز حدود القانون المعمول به؟ويركز المؤلف على القول انه لم يعد من الممكن نفي حقيقة قائمة وهي أن السلطة والثروة تجتمعان لدى عدد قليل نسبيا من الأشخاص في العالم اليوم. ويرفض المؤلف عمليا الفكرة السائدة عن وجود مؤامرة دولية لتسيير العالم.
إنه يقول بالمقابل بوجود طبقة ذات شرائح متنوعة تتقارب لخلق نوع من الزعامة في إطار الاقتصاد العالمي الجديد. ومثل هذا «التمركز» يؤدي إلى تغير تاريخي ليس على مستوى الاقتصاد وإنما أيضاً على مستوى السلطة السياسية بل على طريقة ممارستها .في المحصلة يحاول المؤلف أن لا يصدر أحكاما صارمة على النخب التي يبحث في سلطتها .
وإذا كان يؤكد وجود آثار عميقة لنشاطاتها، فإنه يرى إمكانية أن تكون نشاطات مطلوبة بل مرجوّة إذا أدّت إلى تشجيع التعاون الدولي ودفع عجلة التنمية. لكن بالمقابل يمكن أن نكون أيضاً ذات أثر سيئ و إشكالي عندما تتعارض مصالح النخب المعنية مع مصالح المجموعات الاجتماعية الأخرى والأفراد المحيطين بهم. تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن ولاءات هذه النخب قد لا تذهب أحيانا باتجاه مصالح بلدانها نفسها وإنما، بالأحرى، باتجاه المصالح المشتركة للنخب أو ربما المصالح المتبادلة للنخب المعنية.
النخب التي تشكل اليوم طبقة عليا وصاحبة القرار إلى حد كبير في مسائل الاقتصاد والسياسة على صعيد العالم كله تنتمي، كما يرسمها هذا الكتاب، إلى الشمال كما إلى الجنوب. إلى محافل الفاتيكان كما إلى عالم الجريمة المنظّمة ذي المصلحة المشتركة مع وول ستريت من زاوية محاولة تبييض الأموال.
الإنسان والسلطة
«طبقة عليا، سلطة النخبة العالمية والعالم كما تصفه» هو «كتاب حول السلطة» كما تقول الجملة الأولى منه. ونفس الإشارة إلى موضوع السلطة كمحور رئيسي في هذا الكتاب، تأتي عبر الجملة التي اختارها المؤلف دافيد روتكوف كـ «تصدير» له وهي منقولة عن أحد أهم رجالات أميركا في تاريخها كله، ابراهام لنكولن، وتقول: إذا أردت اختبار خصائل أي إنسان، أعطه سلطة .
المؤلف في سطور
دافيد روتكوف هو صاحب الكتاب الشهير «كيف يدار العالم: قصة مجلس الأمن القومي من الداخل ومهندسو السلطة الأميركية» . ويترأس شركة غارتن روتكوف الدولية للاستشارات ويعمل محاضرا زائرا لدى مؤسسة كارنيجي للسلام العالمي. كما يشغل وظيفة أستاذ للعلاقات الدولية في المدرسة العليا للأعمال الدولية والعامة التابعة لجامعة كولومبيا.
الكتاب: طبقة عليا سلطة النخبة العالمية والعالم كما تصيغه
تأليف: دافيد روتكوف
الناشر: فارار وستروس وجيرو نيويورك 2008
الصفحات: 376 صفحة
القطع: المتوسط
Superclass، the global power elite and the world they are making
David Rothkopf
Farrar، Straus and Giroux- New York- 2008
P.376

